الذين انحرفوا في تصورهم العقيدي للَّه وللمسيح ، فابتعدوا عن التوحيد بما استحدثوه من عقيدة التثليث ، سواء في الفكرة التي تعتقد بالتثليث الإلهي بشكل مباشر ، أو في الفكرة التي تعتقد بالتثليث في نطاق الوحدة ، كما هو الشائع لدى النصارى من أهل الكتاب .
ودعاهم إلى عدم الغلو في المسيح باعتقاد صفة الألوهية فيه ،
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
وأراد منهم أن يبتعدوا عن أي خط لا يلتقي بالحق ، وأوضح لهم شخصية المسيح بكل بساطة
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
، فهو لا يحمل في داخل ذاته أسرارا غيبية معقّدة ، أو أجزاء إلهية مقدسة ، فهو بشر كبقية البشر في تكوينه الجسدي وفي طاقاته الإنسانية ؛ وقد ميّزه اللَّه عنهم برسالته التي كلفه بها ، كما ميّز سائر الرسل بذلك ؛ ولكن له ميزة أخرى يختلف بها عن سائر الناس والأنبياء ، فهو لم يولد كما ولد سائر الأنبياء والرسل والناس بالطريقة البشرية الطبيعية الخاضعة لنظام التناسل الطبيعي ، بل كان - كما تقول الآية - كلمة اللَّه ألقاها إلى مريم ، وروحا منه أفاضها عليها ، كما أفاضها على آدم من قبل ، ليكون مظهرا لقدرة اللَّه في ولادة إنسان بلا أب ، كما كان آدم مظهرا لقدرته - تعالى - في ولادة إنسان من غير أب أو أم ، كما أشارت الآية الكريمة إلى ذلك في قوله تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ آل عمران : 59 ] .
وليست الكلمة ، أو الروح ، في الآية ، تعبيرا عن الجزء الإلهي أو الحقيقة الإلهية ، لأن طبيعة اللَّه لا تتجزأ ، فهي بسيطة كل البساطة ، ولا يمكن أن تنتقل من مكان إلى آخر ، بل المراد بهما مظهر قدرة اللَّه وسر إبداعه ،