حتى لا يتوقف أمام الإثباتات الظاهرية للقضية ، على أساس أن القضاء في الإسلام يخضع للبيّنات والأيمان ، فهي الوسائل المطروحة لدى القضاة ، حتى ولو كان النبي هو القاضي ، ولا مسؤولية له بعد ذلك في خطأ النتيجة أو صوابها ، ما دام غير مكلّف بأن يعلم الغيب في حقائق الأشياء ، لأنه لا يملك وسائله بشكل ذاتي ، كما أن القضاء لا يغيّر ولا يبدّل شيئا في واقع الموضوع ، فإذا لم يكن للمدعي حقّ في دعوى ، وكانت البيّنة إلى جانبه وحكم القاضي بها ، فإن ذلك لا يحلّ له أكل الباطل في ما انتهت إليه الدعوى . ولكن ذلك جار على الأوضاع العادية في مسائل التحاكم ؛ أما في القضايا التي تتعلق بالخط المستقيم للعدالة بشكل عام ، فإنها ترتبط بالأجواء الداخلية والسلوكية للتصور الإسلامي للعلاقات التي تعطي المسلمين الجوّ الرائع في الأخلاق والسلوك ، في ما يجب أن يتمثلوه ويعيشوه في حياتهم ، كما حدث في هذه القضية التي أراد اللَّه من خلالها تقرير مبادئ عدة في حياة المسلمين العاطفية والاجتماعية ، من أجل أن لا تنحرف عن خط العدالة في ذلك كله .
الحكم بما يريه اللَّه من الحق
1 -
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
. إن اللَّه أنزل الكتاب بالحق ليكون هو القاعدة الفكرية والعملية التي ينطلق منها المؤمنون في تسيير جميع شؤون حياتهم ، فلا مجال لاتباع الآراء والأهواء التي تبتعد عنه ، لأن اللَّه يريد للحياة أن تقوم على أساس الحق الذي يواجه القضايا من منطلق الواقع ، بعيدا عن أية علاقة أو انتماء أو مطمع . . . وفي هذا الجو لا بد أن يحكم الحاكم ، في كل المسائل التي تثار أمامه ، بما أراه اللَّه من الحق فلا يتطلع إلى أيّ شيء آخر في ما يدخل في حيثيات حكمه ،