أما الرواية الثانية ، فإنها تصور النبي لنا في الوهلة الأولى - عندما أخبره قتادة بالحادث وقال : انظروا في شأنكم - بأنه يدقّق في طبيعة القضايا والبحث عن وسائل الإثبات ، مما يجعله في موقع المنتظر للنتائج من حيث الشهود ، ولكنه عندما جاءه الرجل الذي هو من بطنهم ، وشكا له قتادة وعمه ، لم يتثبت من صحة الحديث ولم يتأكد من طبيعة المسألة التي سبق لقتادة أن حدثه عنها ، فوبخ قتادة على كلامه مع هؤلاء ، كما لو كانوا أبرياء ، من دون أن يسأله عن ظروف الحديث وطبيعته ، مما جعل قتادة يتمنى موته وجعل عمه يلجأ إلى اللَّه ليستعين به ، لأنه لم يجد هناك من يثبت له حقه ، حتى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم - حسب الرواية .
إن مثل هذا النوع من الروايات يخضع لاجتهادات المفسرين أكثر مما يخضع للروايات الموثقة المباشرة التي تتحدث عن سماع ذلك ، مما يجعلنا نتصور أنهم استنطقوا الآية في مدلولها الحرفي ، ففهموا منها أن اللَّه كان يعاتب نبيّه على دفاعه عن الخائنين وجداله عنهم ، لا سيّما أنه أمره بالاستغفار كما لو كان قد صدر منه ذنب في الانحراف عن خط العدالة والتعاطف مع المنحرفين ، ولكنهم لم ينفتحوا على الأسلوب القرآني الذي يخاطب الأمة من خلال مخاطبته للنبي محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم تماما كما لو كان هو الذي تتمثل في سلوكه المفردات .
إن القضية هي أن الرواة ، أو المفسرين ، لم يدرسوا شخصية النبي الأخلاقية وعدالته الرسالية التي لا يمكن أن تنجذب إلى أي شخص وضد أي شخص من خلال عاطفة ذاتية متصلة بالنوازع النفسية الخاصة وهو صاحب الخلق العظيم ، ورسول العدل والإحسان ، فكيف يبتعد عن خط العدل وروحية الإحسان !
من وحي القرآن — صفحة 444
مساهمون: السيد محمد حسين فضل الله
ص٤٤٤