تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
بأسلوب التحدي والقوة . وفرض اللَّه القتال على المسلمين . وكان هؤلاء ممن كتب عليهم القتال ، ووجهت إليهم الدعوة ، فما ذا كان موقفهم ؟
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ
. إن القرآن يحدثنا عن لحظات الضعف التي عاشوها إزاء هذه الدعوة ، فقد واجهتهم حقيقة الخصائص الذاتية الكامنة في نفوسهم ، فهم لا يعيشون القوة الروحية في المستوى الذي يجعلهم أقوياء في مواجهة التحدي ، فلم تكن مواقفهم الأولى منطلقة من قاعدة صلبة في داخل ذواتهم ، بل كانت منطلقة من حالة انفعالية طارئة بعيدة عن دراسة الموقف وحسابات الساحة . وهكذا بدأوا يواجهون حقيقة أنفسهم ، فها هم ينهارون أمام حالة الرعب من قوة الأعداء فلا يستطيعون التماسك أمامها . وهذا ما صوره القرآن لنا بهذه الصورة المعبرة :
إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
فهم يخافون من الناس ، كما يخافون من اللَّه ، أو أكثر من ذلك ، ولهذا واجهوا الموقف بعدم الاستجابة للدعوة إلى القتال ، خوفا من عذاب الناس ، في ما يمكن أن تسفر عنه المعركة من جراحة أو قتل . وقد دفعهم هذا الخوف إلى موقف ضعف مدمّر ، عبروا به عن ضعف إيمانهم ، في ابتهالهم إلى اللَّه ، في لهجة توحي بالعتاب أكثر مما توحي بالخشوع :
وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ . . .
إن القتال يدفعنا إلى أن نفقد حياتنا في المعركة ، ولكننا نحب الحياة ونريدها أن تستمر إلى الأجل المحتوم الطبيعي الذي جعلته لكل إنسان يعيش ويموت حتف أنفه ، ولكن اللَّه يريد أن يوقظ في أعماقهم روح الإيمان ومعناه وامتداده ، ويفلسف لهم قصة الموت والحياة في نفس المؤمن ووعيه . . .
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
إن الإيمان يمثل انفتاح الإنسان على اللَّه بكل كيانه ، فيحب ما أحبه اللَّه ، ويكره ما كرهه اللَّه ، ويختار ما أراده اللَّه ، ويجعل الحياة كلها رحلة في طريق اللَّه ، وعلى هذا فإن المؤمن يختار الموت في سبيل اللَّه إذا اختار اللَّه له ذلك ، ويحب الحياة من أجل اللَّه إذا اختار اللَّه له ذلك .