ما هو المصلحة لما يؤمن به من قيم ذاتية أو عامة ، فقد يقع الإنسان في قبضة الذل من خلال حركة انفعالية اندفاعية ، أكثر مما يعانيه من ذلك فيما لو سيطر على مشاعره ، وتحمّل بعض انفعالات الموقف ، وخطط لربح المعركة في نهاية المطاف . . .
بمثل هذه الحالة الانفعالية وقف هؤلاء المؤمنون الطيبون الذين كانوا يعانون من اضطهاد المشركين ، حتى أنهم قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم - كما ذكرت بعض الروايات - : يا نبي اللَّه ، كنا في عزّ ونحن مشركون ، فلما آمنّا صرنا أذلة « 1 » . فواجهوا الموقف بانفعال ، تماما كأية حالة ذاتية سريعة ، ولم يفكروا أن الموقف هو موقف الدعوة والحاجة إلى تخطيط العمل على أساس المراحل ، فقد تكون بحاجة إلى أن يعيش أفرادها روح الاستشهاد والتضحية والثبات ، ليعمّقوا تأثير الدعوة في نفوس المجتمع الذي يضطهدهم بشكل غير مباشر ، وليأخذوا لأنفسهم الوقت الملائم لإيصال الدعوة إلى كل قلب في الجزيرة العربية من خلال الموقع المميز لمكّة ، وذلك بالابتعاد عن الصدمات اليومية التي قد تضيّق عليهم الخناق وتمنعهم من حرية الحركة ، فربما كان من مصلحة الدعوة أن لا ينتبه المشركون إلى القوة الذاتية التي تملكها ، من خلال ما يملكه أفرادها المؤمنون من القوة ، وربما كانت القوة التي يملكونها لا تستطيع مواجهة القوة التي يملكها المشركون ، مما قد يدفع بالموقف إلى هزيمة لا تتحملها الدعوة الجديدة .
ولهذا لم يؤمر النبي بالقتال طيلة عهد ما قبل الهجرة ، وذلك من أجل تحضير الأجواء لانتشار الدعوة من جهة على أيدي مؤيديها ومعارضيها ، ومن أجل إعداد المجتمع الجديد الذي ينطلق من قاعدة ثابتة صلبة خارج نطاق مكة ، كما حدث في المدينة ، فكانت هجرة المسلمين إلى الحبشة ؛
هامش
( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 5 ، ص : 16 .