تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
والجسدية ، وبذلك يرجع الأمر كله إلى اللَّه وذلك ما يسمى بالسيئة أو الحسنة ، من دون أن يلغي ذلك إرادة الإنسان واختياره ، لأن ذلك من قبيل الأسباب العادية ، ولذلك فإن من الممكن أن ينسب العمل إليه بالذات بواسطة مباشرته له ، ولكن هؤلاء القوم
لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
، لأنهم لا يعرفون طبيعة الأشياء ، من خلال ما أودعه اللَّه فيها من سننه الكونية والاجتماعية . وإذا كانت هذه الآية ترجع الأمور كلها إلى اللَّه ، باعتبار أنه مصدر كل شيء ، فإن الآية الأخيرة تنسب الحسنة إلى اللَّه ، والسيئة إلى الإنسان وذلك قوله تعالى :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
، ولعل القضية ترجع إلى اختلاف الحيثية ؛ فقد كانت الآية الأولى واردة في مورد الرد على الذين يتطيرون بالرسول ، فينسبون التأثيرات السيئة إليه ، فكان المناسب أن تعالج الفكرة على أساس أن العباد لا يملكون التأثير في مجريات الأمور ، لأن اللَّه هو مصدر كل شيء ، فلا يملك أحد تبديل أيّ شيء وتغييره إلا بإذنه ؛ أما الآية الثانية ، فقد وردت في مورد الحديث عن تأثير أفعال العباد في حدوث كثير من المشاكل والأزمات والآلام ، باعتبار علاقة المقدمات بالنتائج ، وذلك لما أودعه اللَّه من قانون السببية في الكون ؛ وبذلك أمكن نسبة السيئة إلى الإنسان ، وهي التعبير عن مظاهر المشاكل والآلام في حياة الإنسان . أما الحسنة ، فإنها إذا كانت تصدر من الإنسان بشكل مباشر ، فإن نسبتها إلى اللَّه أكثر ، باعتبار ما أعدّه اللَّه من مقدمات ، وما وجّه إليه من أعمال ، حتى أن إرادة الإنسان الخيّرة قد تحركت بفعل التوجيه الإلهي ، بينما الأمر في السيئة على العكس ، لأن التوجيه كان متعلقا برفض السير في هذا الاتجاه . وقد تحدث القرآن في أكثر من آية عن هذا الموضوع ، كما في قوله تعالى :
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . . .
[ الروم : 41 ] ، فلم يبق هناك أي تناف بين مفاد
من وحي القرآن — صفحة 363 | السيد محمد حسين فضل الله