حدثنا هذه الآيات حديثا وافيا عن ملامحهم الحقيقية ، فها هم يدعون إلى كتاب اللَّه ليحكم بينهم ، لأنهم يزعمون أنهم يؤمنون به وبالكتاب المنزلة قبله ، ولكنهم يرفضون الانصياع إليه ، لأنه لا يؤمّن لهم رغباتهم المنحرفة ،
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ
الذي يمثل الحكم القائم على الطغيان ، في ما يرتكز عليه من التشريعات المنحرفة الباطلة ؛
وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ
في الوقت الذي أراد منهم الإسلام - الذي يزعمون الإيمان به - أن يكفروا به فكرا وشريعة وعملا ، فقد رأوا في حكم الطاغوت ما يؤمّن لهم أطماعهم وشهواتهم ، وعاشوا الحياة من أجل هذه الأطماع والشهوات بعيدا عن خط الإيمان الحق ، انطلاقا من الخضوع لإرادة الشيطان في ما وسوس لهم وما خطط لحياتهم ،
وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً
ليضلهم ضلالا بعيدا ويبعدهم عن الارتباط بالقاعدة الفكرية والروحية التي تحدّد لهم ما يفعلون وما يتركون ، من موقع المصلحة الحقيقية للحياة والإنسان ، بعيدا عن القضايا الذاتية ، لأنه إذا ابتعد الإنسان عن القاعدة الثابتة في حياته لم يجد لحياته أساسا من الهدى ، مما يدفعه إلى الابتعاد كثيرا عن الخط المستقيم ويسلمه إلى الضياع الفكري والروحي والعملي ، ليغرق في الرمال المتحركة مع الرياح في الصحراء ، حيث لا أرض صلبة يقف عليها ، ولا علامات واضحة تحدّد له ملامح الطريق .
وقد ذكر صاحب مجمع البيان أنه « كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة ، فقال اليهودي : أحاكم إلى محمد ، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة ولا يجوز في الحكم ، فقال المنافق : لا ، بل بيني وبينك كعب ابن الأشرف ، لأنه علم أنه يأخذ الرشوة » « 1 » . ولعلّ جوّ الآية يوحي بمثل هذه القصة . وهذا ما نواجهه عند كثير من المسلمين الذين يتحاكمون إلى القوانين
هامش
( 1 ) مجمع البيان ، ج : 3 ، ص 102 .