أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ
فهم لم يحصلوا على الكتاب كله ، بل على نصيب منه ؛ لم يعيشوا معه في أفكارهم ومشاعرهم ، ولم يندمجوا مع خططه ومعانيه الروحية ، بل أخذوه بأطراف ألسنتهم ، ليستغلوا ذلك في أطماعهم وشهواتهم .
يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ
وتلك هي ملامحهم ؛ فإنهم لا يسيرون في خط الهدف الباحث عن الحقيقة ، ليرتبطوا بها ، ولينقلوا خطواتهم مع خطوات الآخرين السائرين في هدى اللَّه ، ليزدادوا هدى بهداهم ، بل إنهم يسيرون - على العكس من ذلك - في خطوات الضلال ؛ فقد حدّدوا لأنفسهم هذا الاتجاه ، انطلاقا من أطماعهم وشهواتهم ، وبدأوا يبحثون عن الوسائل التي تمكنهم من الوصول إلى ما يريدون ، فاشتروا الضلالة بكل ألوانها ووسائلها وأهدافها ، وانحرفوا عن الهدى الذي شاهدوه نصب أعينهم ، ولم يقتصروا في ذلك على أنفسهم ، بل عملوا على أن يضللوا الآخرين الذين اتبعوا الهدى فكرا وعملا . وهكذا خاطب اللَّه المسلمين وحذّرهم أن ينتبهوا إلى ذلك كله ، فيعرفوا ملامحهم ويتعرفوا إلى مقاصدهم في تضليلهم .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً
فلا تنظروا - أيها المؤمنون - إلى ظواهر أحوالهم فتنخدعوا بها ، وذلك لما يحاول هؤلاء أن يصوروه لكم من مظاهر المودّة والمحبة ، لتستسلموا إليهم في أساليب خداعهم وتضليلهم ، بل انظروا إلى عمق مشاعرهم وتفكيرهم ، من خلال ما يظهره اللَّه لكم من أمرهم ، ويعرّفكم إياه من حالهم ، فإن اللَّه أعلم منكم ببواطن الأشخاص ، لأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . فهو أعلم بأعدائكم ، فلا توالوهم ولا تركنوا إليهم ، لأن وليكم اللَّه الذي لا وليّ غيره ، وناصركم اللَّه الذي لا ناصر أقوى منه . ومن كان اللَّه وليه ونصيره ، فإنه يكفيه