تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
بنحو المجاز - لأن السياق في الآيات التي بعدها لا تتناسب مع ذلك ، ولكنه استيحاء لفضل اللّه على الإنسان بالعلم بالدرجة العليا التي يتقدم بها على الغذاء المادي .

علاقة الآية بتجسم الأعمال

وقد حاول بعض المفسرين الذين يلتزمون تجسّم الأعمال في يوم القيامة بالصورة المادية المماثلة لصورتها في الدنيا ، أن يجد في الآية دلالة على هذه الفكرة ، فذكر أن هذه الأموال التي لم يدفع صاحبها الحقوق الواجبة فيها ، ولم ينتفع بها المجتمع ، بل صرفت في سبيل الأهواء الشخصية ، سيكون مصيرها مصير أعمال الإنسان ، أي أنها - طبقا لقانون تجسم الأعمال البشرية - ستتجسّم يوم القيامة ، وتتمثل في شكل عذاب مؤلم يؤذي صاحبها ويخزيه « 1 » . ولكننا نرى أن نظرية تجسّم الأعمال انطلقت - في أغلب أدلتها - من الفهم الحرفي للنص القرآني ، وهو أمر لا يتناسب مع القيمة البلاغية للأسلوب ، التي تنفتح على الاستعارة والكناية والمجاز من خلال القرائن المحيطة بالنص ، كما في هذه الآية ، فإن التطويق بالمال الذي بخلوا به كناية عن حملهم مسئوليته السلبية بإيقاع العذاب بهم لعدم دفعهم لحقوق اللّه ، وذلك بأن يلزموا وبال ما بخلوا به إلزام الطوق - كما جاء في تفسير الكشاف « 2 » - أو يعود عليهم وباله فيصير طوقا لأعناقهم ، كقوله :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
[ الإسراء : 13 ] ؛ - كما عن ابن مسلم - قال : والعرب تعبّر بالرقبة والعنق عن جميع البدن ، ألا ترى إلى قوله :
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
« 3 » ؛ واللّه العالم .
هامش
( 1 ) انظر : الشيرازي ، ناصر مكارم ، الأمثل في تفسير كتاب اللّه المنزل ، مؤسسة البعثة ، بيروت ، ط : 1 ، 1413 ه - 1992 م ، ج : 3 ، ص : 23 . ( 2 ) انظر تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 484 . ( 3 ) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 897 .