تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
رزقهم اللّه من مال عندما يدعون إلى الإنفاق في سبيل اللّه ، سواء في ذلك الفئات المحرومة التي تحتاج إلى المساعدة في رعاية أمورها الحياتية الملحّة ، أو الدعوات الدينيّة والاجتماعية والسياسيّة التي تبني للأمّة حياتها العامّة والخاصة ، أو المشاريع الخيرية التي يحتاجها المستضعفون في قضاياهم الحيويّة وأوضاعهم المأساوية من يتم وحرمان وتشريد وغير ذلك . . . فهم يحسبون أن البخل خير لهم لما يوفره لهم من مال يختزنونه ، فلا ينقص من رصيدهم شيء . وتلك هي النظرة الساذجة للأشياء التي تنظر إلى الأمور من خلال ظواهرها لا من خلال بواطنها ويواجهون الأعمال فيحكمون عليها من موقع بداياتها لا من موقع النتائج . ولو أنّهم درسوا القضية من مواقعها الحقيقية ، لتغيّرت نظراتهم واختلفت حساباتهم . فهذا المال ليس مالهم في الحقيقة ، بل هو عطيّة من اللّه الذي أتاهم إيّاه من فضله لينفقوه على أنفسهم في ما يحتاجونه من أمورهم الحياتية ، ولينفقوه على الآخرين في ما يواجههم من حاجات الحياة مما لا يملكون الإنفاق عليه ، فإذا بخل الإنسان به ، فإن ذلك يوحي بالإساءة إلى الدور الذي أراد اللّه له أن يقوم به ، كما أنه يبعده عن السير مع مصلحته ، بما يحصل عليه من نتائج جيّدة لحساب دنياه وآخرته ، على تقدير الإنفاق ، وبذلك لن يكون البخل خيرا له ، لأن قضية الخير والشرّ في أيّ عمل من الأعمال لا تقاس على أساس البدايات ، بل على أساس النتائج الإيجابيّة والسلبيّة له . وهذا ما أراد اللّه أن يثيره أمام هؤلاء الذين يبخلون بما أتاهم اللّه من فضله ، في قوله تعالى :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ
وقد أطلق القرآن كلمة الشرّ فلم يحدّد مسارها بشكل صريح ، ليعيش الإنسان البخيل الآفاق الواسعة التي ينتظر فيها النتائج السلبيّة من عمله في الدنيا والآخرة . . . ولكنه تحدّث له عن النتائج الأخروية بما يوحي بضرورة الإحساس بالأهميّة لقضايا الآخرة في عذابها وثوابها ، عندما تدعوه شهواته وأطماعه للانحراف عن الخط المستقيم من أجل نتائج الحياة الدنيا ،