مفهوم الغنى الخاطئ
وهذه بعض النماذج البشرية في ملامحها الذاتية من خلال كلماتها ، وهي نماذج الأغنياء الذين يعيشون المال كقيمة حياتية يرتفعون بها في ميزان أنفسهم ، فهم يعانون الضعف النفسي أمام قصة الغنى والفقر ، ويحسون بالانسحاق الروحي إزاء المال وبذلك تتحول نظرتهم إلى الأشياء والأشخاص تبعا لمواقعها ومواقعهم من حركة المال في الحياة ، لأنهم لا يرون الحياة إلّا من خلاله ، فيقفون عنده ولا يتجاوزونه إلى ما وراءه من آفاق وعقائد .
وتتعاظم هذه العقدة - النظرة لدى هذه النماذج فيحوّلونها إلى مواقف وكلمات لا توحي لسامعها إلا بالسخريّة ، وهذا ما عبر عنه قوله تعالى :
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ
فقد واجهوا الأنبياء الدّاعين إلى اللّه ، ورأوا أنهم لا يملكون المال ؛ فخيّل إليهم أن فقرهم يدلّ على أن اللّه فقير ، لأنه لو كان غنيا لتمثل غناه في غنى الذين يؤمنون به ويدعون إليه . . . أمّا هم ، فإنهم الأغنياء الذين يملكون المال الكثير ، الذي يستطيعون من خلاله أن يملكوا السلطة والسيطرة والقوّة . وفي ذلك الجو ، لا يبقى هناك مجال لأن يسيروا مع الأنبياء ، إذ كيف يخضع الغنيّ للفقير في عالم تتحرك فيه القيم من خلال الغنى والفقر ، لأن الفقر يعني الضعف على أساس الحاجة ، بينما يعني الغنى القوّة على أساس عدم الحاجة . وهذا هو التفسير الذي يفسرون به دعوة اللّه لهم للعطاء ، فإنها توحي بحاجته إليهم من أجل أن يعينوا عباده ، مما يوحي لهم بالشعور بالفوقية التي تمنعهم من الإيمان ، وذلك هو أعلى مظاهر الطغيان والتجبر .
وقد أثار القرآن الفكرة في أسلوب لا يعمل على مناقشتها كونها الفكرة التي لا تثبت أمام الوهم فضلا عن الفكر ، بل أطلق الأسلوب في مجال التهديد . فقد سمع اللّه قولهم وسيكتب ما قالوا ليواجههم به يوم القيامة ويعاقبهم عليه ،
سَنَكْتُبُ ما قالُوا
فذلك هو الأسلوب الطبيعي الذي يقابل هذا