أحبار اليهود - في عصر الدعوة - عندما كتموا صفة محمد ونبوته التي جاءت بها التوراة .
وفي ضوء ذلك ، فإن الآية تتحدث عن العلم كطاقة معنوية فكرية من طاقات الإنسانية التي وزّعها اللّه على بني الإنسان ، ليقوم كل واحد منهم بتقديمها للناس كافة من خلال حاجاتهم المتنوعة للمعرفة المتصلة بقضاياهم العقيدية والفكرية والعملية ، لأنها أمانة اللّه عندهم ، وليست ملكا ذاتيا لهم يتصرفون فيه - بحرية - كما يتصرفون في خصوصياتهم ، وبذلك فإن البخل بالعلم ، لا سيّما الذي يتصل بقضية الهدى والضلال ، يمثل الخيانة الثقافية للأمانات الإلهية عند الناس ، وبالتالي فهي أمانة الناس عندهم . وقد جاءت الآيات المتنوعة التي تحذر الناس من كتمان العلم الذي يتصل بالمسؤولية العقيدية للإنسان ، كما في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ
[ البقرة : 159 ] ؛ وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
[ البقرة : 174 ] .
وهكذا نستوحي من ذلك أن العلم أمانة اللّه عند العالم ، لا سيما في الظروف الصعبة التي يمثل فيها كشف العلم حركة رائدة في مواجهة التحديات المضادة للإسلام وأهله ، وهذا ما يوحي به
الحديث النبوي المأثور : « إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه وإلّا فعليه لعنة اللّه » .
ولكن الظاهر من سياق الآية - بلحاظ ما بعدها من الآيات - يدل على أنها واردة في البخل بالمال لا بالعلم ، مما يجعل شمولها للبخل بالعلم عملية استيحائية من خلال الانتقال من المادي إلى المعنوي على الطريقة التي جرى بها أئمة أهل البيت عليهم السّلام في تفسير بعض الآيات من استيحاء المعنوي من الحديث عن المادّي ، كما ورد في تفسير قوله تعالى :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ
[ عبس : 24 ] قال : علمه . ومن المعلوم أن هذا ليس تفسيرا لكلمة الطعام - حتى