تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
خلال الوسائل التي أودعها اللّه فيهم في طاقة العقل ، وفي قوّة الحبّ ، وفي حركة الإرادة ، وفي المعطيات الكثيرة المتناثرة على صعيد الواقع مما يتيح لهم أكثر من فرصة للوصول إلى النتائج المعرفية على مستوى الناس أو الواقع ، الأمر الذي يعمّق الفكرة في الوجدان بأكثر مما يحصلون عليه من خلال المعرفة الآتية من الخارج ، ولو كان ذلك من الغيب ، لأن الإنسان الذي ينتج الفكرة - من خلال تجربته التأملية والعملية - يختلف في وعيه الفكري عن الإنسان الذي يستهلكها في وجدانه ،
وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ
فيختار من يشاء منهم فيطلعه على الغيب من خلال الوحي النازل عليهم مما يتصل بحاجات الرسالة ومنطلقات الرسول ، لأنّهم لا يملكون علم الغيب من الناحية الذاتية ، بل ربما نفهم من الآيات القرآنية أن اللّه لم يمنحهم هذه المعرفة بشكل مطلق ، بحيث تكون طبيعة ثانية فيهم بالإلهام الإلهي الذي يتحول فيهم إلى قوّة المعرفة الغيبية تبعا للإرادة أو لحاجات الذات ، بل إن اللّه يطلعهم على بعض مفردات الغيب ، ويعلّمهم إيّاه من خلال حكمته التي تتحرك - من خلالها - مشيئته من خلال ما يعطي ويمنع ، حتى أن الآية التي استدل بها على علم الأنبياء بالغيب لا تدل على أكثر من ذلك بمعنى المعرفة التدريجية التابعة للحاجات الرسالية ، وذلك قوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً
[ الجن : 26 - 27 ] ؛ فإن ظاهره أن المسألة مسألة إظهار على الغيب وليست مسألة إعطاء القدرة على معرفة الغيب . وربما نلاحظ أنّ الفقرة المذكورة لا تتحدث عن اطلاع الرسل على الغيب ، بل تتحدث عن اجتباء اللّه من رسله من يشاء ، فهو العالم - وحده - بالغيب فلا يعلم الغيب إلّا هو ويمكن استفادة ذلك من كونه استثناء - ولو كان منقطعا - من جملة :
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
لأن المناسبة الوحيدة التي تفرضها هي هذه المسألة ، فإن اللّه لا يطلع عباده المؤمنين على الغيب إذ لا مصلحة لهم في ذلك ، ولا دور لهم يتطلب مثل هذا العلم بالغيب ، أمّا الرسل الذين يصطفيهم اللّه ، فيوحي إليهم ويخبرهم بأنّ في الغيب كذا ، وأن فلانا في قلبه النفاق وفلانا
من وحي القرآن — صفحة 408 | السيد محمد حسين فضل الله