ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ
أي ليدعهم ويمنحهم حرية الاسترخاء في نوازعهم الذاتية وأوضاعهم العادية ، فليس من شأنه - في مواقع حكمته ورحمته - أن يهمل عباده المؤمنين ليعيشوا الحياة بعيدا عن القوّة والوعي والصلابة في الموقع والموقف ،
عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ
في المجتمع الإسلامي الذي يختلط فيه المؤمن والمنافق ، من خلال اختفاء الملامح الحقيقية للإيمان لأنها لا تظهر إلا من خلال التجربة القاسية الصعبة التي تظهر دخائل النفوس وحقائق الالتزام ؛ فلا يعرف فيه المخلص من غير المخلص ، لأن السلوك العبادي الظاهري مما يلتقي عليه الجميع ، وبذلك يظهر أن ما ذكره صاحب مجمع البيان من أن المقصود بكلمة
أَنْتُمْ
أهل الكفر فلا يذرهم على ما كانوا عليه قل مبعث النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم « 1 » ، فإنه خلاف الظاهر ، لأن السياق يتصل بالمجتمع الإسلامي في التجربة التي عاشها المسلمون في يوم أحد في اختلاط الموقف بين أهل الإيمان والنفاق ، إلّا إذا كان مقصود صاحب المجمع من أهل الكفر ، أهل النفاق الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان مما يسمح لهم بالامتداد في حياة المسلمين والبعث بهم من خلال الشخصية الخفية التي يختفون وراءها ، ولكنه هو ذكر - بعد اختياره ذلك - احتمال أن يكون الخطاب للمؤمنين وتقديره - كما يقول - « ما كان اللّه ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق ، وعلى هذا فيكون قد رجع من الخبر إلى الخطاب كقوله :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ
« 2 » [ يونس : 22 ] .
حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ
أي الشخص الذي يعيش الرداءة الداخلية في عناصر الشخصية الفكرية والروحية والعملية ، والعمل الرديء الذي يحمل في داخله السوء والشرّ لمن حوله وما حوله ، فيعرف - بالتجربة القوية الصعبة - كل حركة الخفايا السلبية في الداخل ،
مِنَ الطَّيِّبِ
مقارنا بالشخص الذي يعيش الطيبة
هامش
( 1 ) انظر : مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 895 .
( 2 ) ( م . ن ) ، ج : 2 ، ص : 895 .