تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
يسرّون وفي ما يعلنون ، ويميز الخبيث من الطيب بما يعرفه من سرائرهم فلو أطلعهم على هذا الجانب من غيبه لوفّر عليهم عناء الدخول في التجربة الصعبة . ولكن اللّه يثير أمامهم القضية الحاسمة من سننه التي أخضع لها الأشياء ، فقد أجرى سنته في حياة الناس ، أن يسير بهم في أمورهم على أساس الأسباب الطبيعية في المعرفة ، فإذا أرادوا المعرفة فعليهم أن يبتغوا إليها الوسيلة من مصادرها الواقعية ، لأن لذلك صلة ووثيقة بالنموّ العقلي والعملي لشخصيتهم التي تعطيها التجربة والمعاناة انفتاحا كبيرا على الحياة ، فتلتقي المعرفة بالتجربة في وحدة ذاتية غنيّة بالعطاء . ولا سبيل إلى المعرفة الغيبيّة التي تنتظر النتائج من دون عناء ، لأنهم يخسرون الكثير من حياتهم في هذا المجال من خلال ما يفقدونه من الوسائل الواقعية للمعرفة . ولكن اللّه لا يحجب الغيب عن رسله الذين يجتبيهم ويختارهم من بين خلقه ليقودوا الناس إلى سواء السبيل ، فقد تمس الحاجة الرسالية إلى أن يكونوا على معرفة بما حولهم ومن حولهم من الناس والأشياء مما لا طريق لديهم إلى معرفته ، وذلك من أجل أن يدفعوا عن الرسالة شرّا ، أو يجلبوا لها خيرا ، من خلال التخطيط الواعي للحركة في امتداد الحياة ، مما قد يستدعي المعرفة الخفيّة بحقائق الأشياء .

أجر التقوى عظيم

وتنطلق الآية - من خلال هذه الحقيقة الإيمانية - لتدعو الناس المؤمنين إلى أن يعيشوا الإيمان كأعمق ما يكون ، فيتحول إلى تقوى ، ويتحركوا من التقوى في مواقفهم العمليّة ليعطيهم اللّه أجر التقوى المرتكزة على الإيمان . ولن يكون الأجر عاديا يشبه ما يأخذه الناس من أجر على أعمالهم ، بل هو الأجر العظيم الذي يحسب حساب العمل من موقع الإيمان الذي ينطلق مع النفس الطيّبة التي تعيش الآفاق الرحبة بين يدي اللّه .