ويلين ، وفي أسلوبه الرقيق الذي يتفايض بالأحاسيس الطيّبة والمشاعر الطاهرة والنبضات الرحيمة ، فلا تتحرك كلماته من موقع قسوة لتؤذي المشاعر ، ولا تنطلق من حالة فظاظة لتدمي الإحساس ، بل هو اللين والرحمة واللطف والعاطفة الحميمة التي تدخل إلى القلوب بكل عفويّة وبساطة ومحبّة . . .
وتلك هي شخصية الإنسان الرساليّ في ما يريده الإسلام للرسالة من سمات في حركة الرسول والداعية ، فقد ينبغي أن نتعلم من شخصية رسول اللّه في خطواته العملية في أسلوبه في الدعوة ، أنّ علينا التوقف أمام حقيقة إنسانيّة إسلاميّة ، وهي أن أخلاقية الرسول أساسيّة في حركة الرسالة ، فلا يكفي في نجاحه أو نجاحها أن يملك الفكر العميق الذي يستطيع من خلاله أن يقنع الآخرين بالحجة والبرهان ، أو يملك القوّة العظيمة التي يسيطر بها على خصومه بالوسائل العنيفة القاسية ، بل يجب أن يتّصف بالأخلاق العالية التي لا تعيش في خارج ذاته بطريقة تمثيليّة ظاهريّة ، بل تتعمق في داخل الذات رحمة ومحبة وانفتاحا على الناس ووعيا للظروف الموضوعية المحيطة بهم ، ليكون التعامل معهم من موقع الفهم الواعي لمشاكلهم الحقيقية ولنوازعهم الذاتية ، فتتحرك الرحمة في نفس الرسول ، في ممارسته لأسلوب رسالته ، في دراسة كلّ المؤثّرات في ما يختاره من الكلمات اللطيفة والأساليب الحكيمة والأجواء الموحية ، لتصل الدعوة إلى قلوب الناس في الوقت الذي تصل فيه إلى عقولهم ، لأن قيمة الرسالة في حركة الشخصية الإسلامية ، تتمثل في تحوّلها إلى وعي للفكرة في عمق الذات وانسجام عفويّ مع كلّ آفاقها وأفكارها ، بحيث تنطلق منها انطلاقة النهر من قلب الينابيع والشعاع المتفجّر من قلب الشمس .
وهكذا كان رسول اللّه في أسلوب رسالته الذي يمثّل أسلوب شخصيته في خلقه العظيم وقلبه الكبير ، فاستطاع من خلال ذلك أن يدخل الرسالة إلى كل قلب ، وأن يطلق صوتها في كلّ فمّ ، وأن يحرّك شريعته في قلب كل مساحة من مساحات الحياة . . . وهذا هو سرّ نجاح الداعية في الدعوة ، فليس له أن يستسلم لنوازعه الذاتية ليفرضها على الدعوة ، بل ينبغي له أن يصوغ شخصيته
من وحي القرآن — صفحة 340
مساهمون: السيد محمد حسين فضل الله
ص٣٤٠