تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
عيشة تحت نير الذل والظلم . ثم المجتمع الذي يسود فيه الإيمان باللّه ، تطبيقا لشرعة اللّه ، نجده لا يقاس في متاعه الحسن بالمجتمعات الرذيلة البعيدة عن الفضيلة ، حيث الضنك في العيشة تشملها كلها ، ولكن المؤمنين فيها ، المظلومين غير الظالمين ، هم مطمئنو القلوب بذكر اللّه ورضاه . ومما يرتاح إليه المؤمنون المطمئنون باللّه ووعوده ، العائشون مرضات اللّه ، أنه :
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 4 )
. « قدير » على إرجاعكم كما هو قدير على خلقكم في الأولى ، « قدير » على إيتاء كل ذي فضل فضله ، وإيتاء كل ذي رذل رذله ، قدير على كل ما وعده الصالحين والطالحين ، وهذا من المتاع الحسن . وترى «
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ
» تعني - فقط - رجوعنا بالموت إلى عالم الجزاء ؟ كما يختصه القشريون به ! أم رجوعنا بكامل التكامل إلى عالم الربوبية ، كأمواج البحر التي هي راجعة إلى البحر نفسه كما يتقوله القائلون بالفناء في اللّه ؟ وهو رجوع فيه وهنا رجوع إليه ! . إنه رجوع دائب إلى اللّه معرفيا وعبوديا ، كما ابتدأنا وأبدع فينا فطرت التوحيد والعبودية ، وكما تعنيه «
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
» . والرجوع إلى اللّه اثنان ثانيهما رجوع إليه باختيار ، محاولة بكافة المساعي الميسّرة للوصول إلى جناب مرضاته ، وليس إلى ذاته أو صفاته ، وأولهما كوننا في قبضته رغم اختيارنا ، ثم في قبضة الموت . وهنا «
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ
» تعني الرجوعين ، إخبارا عما ليس فيه اختيار ، وإنشاء لما فيه اختيار ، فليكن الإنسان دائب السلوك إلى ربه دونما غفوة ولا فترة ، مهاجرا إلى اللّه على أية حال ، في كل حلّ وترحال .
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ