تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وأما أن « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » و « خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل » ثم «
لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ
» فهذه حقائق صادقة لا تنكر ، ولا يعني «
مَتاعاً حَسَناً
» عدم البلية في هذه الدنيّة ، وإنما يعني ما يناسب الحياة الأخرى حيث يحقق مرضات اللّه ، ومعيشة المؤمن على أية حال هي الحسنة المريحة الفاسحة مهما مرض وظلم وافتقر حيث يرتكن على اللّه بذكره وهداه ورضاه ، وهي الحسنى في الحياة الإيمانية خلاف سائر الحياة : «
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
» ( 20 : 124 ) . فالمشتغل بطاعة اللّه وعبادته منشغل عما سوى اللّه ، مبتهج باللّه ، فالحياة الدنيا له جنة في باطنها حاضرا ومستقبلا ، مهما كانت له سجنا حيث يسجن فيها عن لقاء اللّه الحاصل له يوم الأخرى ، وهي جنة للكافر على ضنكها إذ لا يحسب لنفسه حياة إلّا إياها ، أترى المعيشة الضنك هي في الحق جنة ، والمعيشة الواسعة برضوان من اللّه هي في الحق سجن ؟ . فلننظر «
مَتاعاً حَسَناً
» بعمق البصيرة دون ظاهر البصر ، فحين يقول اللّه تعالى : «
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
» ( 40 : 51 ) لا يعني إلّا نصرة في حمل الرسالة والإيمان وتطبيق الواجب فيهما ، دون زهرة الحياة الدنيا مهما حصلت أحيانا مّا ، كما و «
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
» و « ألا إن حزب الله هم الغالبون » يعنيان تلك الغلبة الصالحة الفالحة بميزان اللّه لأهل اللّه . فطمأنينة القلب إلى العاقبة الحسنى ، والاتصال باللّه والرجاء في نصره وإحسانه وفضله كما يشاء ويرضى ، كلّ ذلك عوض عن كل متعة في الحياة الدنيا ، للإنسان المرتفع عن الحس المادي الغليظ الحضيض البغيض . ومهما كان المؤمنون القلة مظلومين في مجتمع يسود فيه الظلم ، فلا تخلو حياتهم عن متاع حسن إذ لا يبتلون هم أنفسهم بالظلم ، ولا ينظلمون