تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : غير ذي عوج ؛ أي : غير مخلوق ، وذلك لأن كونه مقروءا بالألسنة ، ومسموعا بالآذان ، ومكتوبا في الأوراق ، ومحفوظا في الصدور لا يقتضي مخلوقيته ، إذ المراد : كلام اللّه القديم القائم بذاته . وفي حقائق البقلي : قرآنا قديما ظهر من الحق على لسان حبيبه ، لا يتغير بتغير الزمان ، ولا يرهقه غبار الحدثان ، لا تعوجه الحروف ، ولا تحيط به الظروف ، وفي « بحر الحقائق » : صراطا مستقيما إلى حضرتنا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وقوله :
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
؛ أي : لكي يتقوا بالقرآن عما نهاهم اللّه تعالى ، علة أخرى مترتبة على الأولى ، فإن المصلحة في ضرب الأمثال هو التذكر والاتعاظ بها أولا ، ثم تحصيل التقوى ، والمعنى : لعلهم يعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على حدود اللّه تعالى في القرآن ، والاعتبار بأمثاله . والمعنى : وعزتي وجلالي ، قد بينا « 1 » لهؤلاء المشركين باللّه ، أمثال القرون الخالية ، تخويفا لهم ، وتحذيرا ليتعظوا ، ويزدجروا ، ويقلعوا عما هم عليه ، مقيمون من الكفر بربهم ، بكلام عربي لا لبس فيه ، ولا اختلاف ليفهموا ما فيه من مواعظ ، ويعتبروا بما فيه من حكم ، فيتقوا ما حذرهم فيه من بأسه وسطوته ، وينيبوا إليه ، ويفردوه بالعبادة ، ويتبرءوا من الآلهة والأنداد . ثم أورد سبحانه مثلا من تلك الأمثال ، فقال :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
؛ أي : بيّن اللّه تمثيل حالة عجيبة ، بأخرى مثلها ، ثم بيّن المثل ، فقال :
رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ
والمراد « 2 » بضرب المثل هنا : تطبيق حالة عجيبة بأخرى مثلها ، كما مر في أوائل سورة يس . و
مَثَلًا
مفعول ثان لضرب ، و
رَجُلًا
مفعوله الأول ، أخر عن الثاني للتشويق إليه ، وليتصل به ما هو من تتمته التي هي العمدة في التمثيل . و
فِيهِ
خبر مقدم لقوله :
شُرَكاءُ
، والجملة في حيز النصب على الوصفية لرجلا ، ومعنى
مُتَشاكِسُونَ
؛ أي : مختلفون عسرو الأخلاق سيئوها . والمعنى : جعل اللّه تعالى للمشرك مثلا ، حسبما يقود إليه مذهبه من ادعاء كل من معبوديه
هامش
( 1 ) المراغي . ( 2 ) روح البيان .