أحدا غيره ، مخلصا له دينه ؛ لأن قوله :
أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ
لا يفيد الحصر ، وقوله : ( الله أعبد ) يفيد الحصر . والمعنى : اللّه أعبد ولا أعبد أحدا غيره .
والحاصل : أنه سبحانه أمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم « 1 » :
أولا : بأن يخبرهم بأنه مأمور بالعبادة والإخلاص فيها .
وثانيا : بأن يخبرهم بأنه مأمور ، بأن يكون أول من أسلم وأطاع وانقاد .
وثالثا : بأن يخبرهم بخوفه من العذاب ، على تقدير العصيان .
ورابعا : بأن يخبرهم ، بأنه امتثل الأمر وانقاد وعبد اللّه تعالى ، وأخلص له الدين ، على أبلغ وجه وآكده ، إظهارا لتصلبه في الدين ، وحسما لأطماعهم الفارغة ، وتمهيدا لتهديدهم بقوله :
فَاعْبُدُوا . . .
إلخ ؛ أي : قد امتثلت أنا ما أمرت به ، فاعبدوا يا معشر المشركين
ما شِئْتُمْ
قال في « الإرشاد » : وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى ، كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه ، أمروا به كي يحل بهم العقاب .
ولما قال المشركون : خسرت يا محمد ، حيث خالفت دين آبائك ، قال تعالى :
قُلْ
يا محمد لهم :
إِنَّ الْخاسِرِينَ
؛ أي : الكاملين في الخسران ، الذي هو عبارة عن إضاعة ما يهمه ، وإتلاف ما لا بد منه ، هم
الَّذِينَ
فالجملة من الموصول ، والصلة خبر
إِنَّ
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
بالضلال واختيار الكفر لها ؛ أي : أضاعوها ، وأتلفوها إتلاف البضاعة ، فقوله :
أَنْفُسَهُمْ
مفعول
خَسِرُوا
.
وَأَهْلِيهِمْ
بالضلال ، واختيار الكفر لهم أيضا
يَوْمَ الْقِيامَةِ
يوم يدخلون النار بدل الجنة ، حيث عرّضوهما للعذاب السرمدي ، وأوقعوهما في هلكة لا هلكة وراءها .
أَلا
انتبهوا ، واستمعوا
ذلِكَ
الخسران
هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
؛ أي : الظاهر الجلي ، حيث استبدلوا بالجنة نارا ، وبالدرجات دركات ، كما في « كشف الأسرار » ، وفي « التأويلات النجمية » : الخاسر في الحقيقة ، من خسر دنياه بمتابعة
هامش
( 1 ) أبو السعود .