تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
فهو غير متناه ، وهذه فضيلة عظيمة ، ومثوبة جليلة تقتضي أن على كل راغب في ثواب اللّه تعالى ، وطامع فيما عنده من الخير ، أن يتوفر على الصبر ، ويزم نفسه بزمامه ، ويقيدها بقيده ، فإن الجزع لا يرد قضاء قد نزل ولا يجلب خيرا قد سلب ، ولا يدفع مكروها قد وقع ، وإذا تصور العاقل هذا حق تصوره ، وتعقله حق تعقله ، علم أن الصابر على ما نزل به قد فاز بهذا الأجر العظيم ، وظفر بهذا الجزاء الخطير ، وغير الصابر قد نزل به القضاء شاء أم أبى ، ومع ذلك فاته من الأجر ما لا يقادر قدره ، ولا يبلغ مداه ، فضم إلى مصيبته مصيبة أخرى ، ولم يظفر بغير الجزع ، وفي الحديث : « أنه تنصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج ، فيوفون بها أجورهم ، ولا تنصب لأهل البلاء ، بل يصب عليهم الأجر صبا ، حتى يتمنى أهل المعافاة في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض ، مما يذهب به أهل البلاء من الفضل » . وعن الحسين بن علي رضي اللّه عنهما قال : سمعت جدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « أد الفرائض تكن من أعبد الناس ، وعليك بالقنوع تكن من أغنى الناس ، يا بني إن في الجنة شجرة يقال لها : شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء ، فلا ينصب لهم ميزان ، ولا ينشر لهم ديوان ، يصب عليهم الأجر صبا » . ثم تلا هذه الآية
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
. وسئل النبي صلى اللّه عليه وسلم أي الناس أشد بلاء ؟ قال : « الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه » . فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه ذا رقة هوّن عليه ، فما زال كذلك حتى يمشي على الأرض كمن ليس له ذنب ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن العبد إذا سبقت له من اللّه منزلة لم يبلغها بعمله . . ابتلاه اللّه في جسده أو في ماله أو في ولده ، ثم صبر على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من اللّه » ، وإن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن اللّه عزّ وجل ، إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي ، فله الرضى ، ومن سخط فله السخط ، وقال يوسف بن الحسين : ليس بصابر من يتجرع المصيبة ، ويبدي فيها الكراهة ، بل الصابر من يتلذذ بصبره ، حتى يبلغ به إلى مقام الرضا . وروى مقاتل : أن كفار قريش ، قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ما يحملك على الذي أتيتنا به ، ألا تنظر إلى ملة آبائك وسادات قومك ، يعبدون اللات والعزى ، فتأخذ بتلك