تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
أعمالهم خيرا ، ولا يخافون من سيئها شرا ، وجاء هذا الكلام بأسلوب الاستفهام ، للدلالة على أن الأولين بلغوا أعلى معارج الخير ، وأن الآخرين درجوا في دركات الشر ، ولا يخفى ذلك على منصف ولا مكابر . ثم بيّن أن ما سلف إنما يفهمه كل ذي لب ، فأمثال هؤلاء على قلوبهم غشاوة لا يفقهون موعظة ، ولا تنفع فيهم التذكرة ، فقال :
إِنَّما يَتَذَكَّرُ
ويتعظ ، ويتدبر ، ويتفكر
أُولُوا الْأَلْبابِ
؛ أي أصحاب العقول الكاملة ، السالمة من الشك والشرك ، وهم المؤمنون ، لا الكفار ، وقرئ : يذكر بإدغام تاء
يَتَذَكَّرُ
في الذال ، وهذا كلام « 1 » مستقل ، غير داخل في الكلام المأمور به ، وارد من جهته تعالى ؛ أي : إنما يتعظ بهذه البيانات الواضحة ، أصحاب العقول الخالصة من شوائب الخلل والوهم ، وهؤلاء بمعزل عن ذلك ، قيل : قضية اللب الاتعاظ بالآيات ، ومن لم يتعظ فكأنه لا لب له ، ومثله مثل البهائم . والخلاصة : أنه إنما يعلم الفرق بين هذا وذاك ، من له لب وعقل يتدبر به ، وقيل لبعض العلماء « 2 » : إنكم تقولون : العلم أفضل من المال ، ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك ؛ ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء ، فأجاب : بأن هذا أيضا يدل على فضيلة العلم . لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه ، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه . ولما نفى اللّه سبحانه المساواة ، بين من يعلم ومن لا يعلم ، وبيّن أنه إنما يتذكر أولو الألباب . . أمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يأمر المؤمنين من عباده بالثبات على تقواه ، والإيمان به . فقال :
قُلْ
يا محمد لعبادي المؤمنين :
يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا
وصدقوا بتوحيد اللّه
اتَّقُوا رَبَّكُمْ
بامتثال مأموراته ، واجتناب منهياته ، وإخلاص الإيمان له ، ونفي الشركاء عنه ؛ أي : قل لهم : قولي هذا بعينه ؛ أي :
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) المراح .