تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 498

مساهمون:

ص٤٩٨
وصبّرهم على مفارقة الأوطان ، فقال :
وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ
فمن « 1 » تعسر عليه التوفر على التقوى ، والإحسان في وطنه . فليهاجر إلى حيث يتمكن فيه من ذلك ، كما هو سنة الأنبياء ، والمرسلين ، والصالحين ، فإنه لا عذر له في التفريط أصلا ؛ أي : إنكم إذا لم تتمكنوا من التوفر على الإحسان والتقوى ، وصرف الهمم إلى العبادة في البلد الذي أنتم فيه ، فتحولوا عنه إلى بلاد تستطيعون فيها ذلك ، واجعلوا أسوتكم الأنبياء والصالحين ، فقد فعل كثير منهم ذلك ، وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي ، وقد ورد : « إن من فر بدينه من أرض إلى أرض وجبت له الجنة » ، وإنما قال : « بدينه » احترازا عن الفرار بسبب الدنيا ولأجلها ، خصوصا إذا كان المهاجر إليه أعصى من المهاجر منه ، وقيل المراد بالأرض هنا : أرض الجنة ، رغّبهم في سعتها وسعة نعيمها ، كما في قوله :
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
. والأول أولى . ثم ذكر ما لهم من رفيع المنزلة ، وعظيم الأجر على ذلك . فقال :
إِنَّما يُوَفَّى
ويعطى
الصَّابِرُونَ
الذين صبروا على دينهم فلم يتركوه للأذى ، وحافظوا على حدوده ، ولم يفرطوا في مراعاة حقوقه ، لما اعتراهم في ذلك من فنون الآلام ، والبلايا التي من جملتها مهاجرة الأهل ، ومفارقة الأوطان ، والمعنى : يعطون
أَجْرَهُمْ
بمقابلة ما كابدوا من الصبر
بِغَيْرِ حِسابٍ
؛ أي : بحيث لا يحصى ، ولا يحصر ؛ أي : يوفيهم اللّه ، ويعطيهم أجرهم وافيا كاملا في مقابلة صبرهم بغير حساب ؛ أي « 2 » : بما لا يقدر على حصره حاصر ، ولا يستطيع حسابه حاسب . قال عطاء : بما لا يهتدي إليه عقل ، ولا وصف ، وقال مقاتل : أجرهم الجنة ، وأرزاقهم فيها بغير حساب . والحاصل : أن الآية تدل « 3 » على أن ثواب الصابرين وأجرهم لا نهاية له ؛ لأن كل شيء يدخل تحت الحساب فهو متناه ، وما كان لا يدخل تحت الحساب .
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) الشوكاني . ( 3 ) المراغي .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 498 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي