تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
سبح ، سبحت الجبال ، والطير معه ، ووضع الأواب موضع المسبح ؛ لأنها كانت ترجع التسبيح ، والمرجع رجّاع ؛ لأنه يرجع إلى فعله رجوعا بعد رجوع ، والفرق بينه وبين ما قبله وهو
يُسَبِّحْنَ
: أن
يُسَبِّحْنَ
يدل على الموافقة في التسبيح ، وهذا يدل على المداومة عليها ، وقيل : الضمير في
لَهُ
للّه ؛ أي : كل من داود ، والجبال ، والطير ، للّه أواب ، أي : مسبح للّه ، مرجع التسبيح له . وقرأ الجمهور « 1 » :
وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً
بنصبهما كما مر بيان وجهه ، وقرأ ابن أبي عبلة ، والجحدري
وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً
برفعهما مبتدأ وخبرا . روي : أن اللّه تعالى لم يعط أحدا من خلقه ما أعطى داود ، من حسن الصوت ، فلما وصل إلى الجبال ألحان داود ، تحركت من لذة السماع ، فوافقته في الذكر والتسبيح ، ولما سمعت الطيور نغماته ، صفرت بصفير التنزيه والتقديس ، ولما أصغت الوحوش إلى صوته ، دنت منه حتى كانت تؤخذ بأعناقها ، فقبل الكل فيض المعرفة ، والحالة بحسب الاستعداد ، ألا ترى إلى الهدهد ، والبلبل ، والقمري ، والحمامة ، ونحوها ، فالتأثر ، والحركة ، والبكاء ، ونحوها ، ليست من خواص الإنسان فقط ، بل إذا نظرت بنظر الحقيقة ، وجدتها في الحيوانات ، بل في الجمادات أيضا ، لكونها أحياء بالحياة الحقيقة . قال بعضهم « 2 » : سبحت الجبال ، وكذا الطير ، لتسبيح داود ، ليكون له عملها ؛ لأن تسبيحها ، لما كان لتسبيحه منتشأ منه ، لا جرم ، يكون ثوابه عائدا إليه ، لا إليها ، لعدم استحقاقها لذلك ، بخلاف الإنسان فإنه إذا وافقه إنسان آخر في ذكره وتسبيحه ، أو عمل بقوله . . يكون له مثل ثواب ذكره وتسبيحه ، لإحيائه وإيقاظه له ، فهو صيده وأحق به ، وتخصيص العشي والإشراق لما فيهما من زيادة ظهور أنوار قدرته ، وآثار بركة عظمته ، ولأن وقت الإشراق ، وقت إقبال المخلوقات إلى طلب الأرزاق والمعاش ، ووقت العشي ، وقت إقبال المصلين إلى المناجاة ، وعرض الحاجات على رب البريات .
هامش
( 1 ) البحر المحيط . ( 2 ) روح البيان .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 335 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي