تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
يوما ، ويفطر يوما ، وكان ينام النصف الأول من الليل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه . ومعنى الآية : أي واذكر يا محمد لقومك ، قصة عبدنا داود ذي القوة في الطاعة ، والفقه في الدين ، فقد كان يقوم ثلث الليل ، ويصوم نصف الدهر . وفي « الصحيحين » عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أحب الصيام إلى اللّه تعالى صيام داود ، كان يصوم يوما ، ويفطر يوما ، وأحب الصلاة إلى اللّه صلاة داود ، كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، ولا يفر إذا لاقى » . وإنما كان هذا النوع أحب ، لأن النفس إذا نامت الثلثين من الليل تكون أخف ، وأنشط في العبادة ، وقيل معناه : ذو القوة في الملك . وإنه كان رجاعا إلى اللّه تعالى في جميع شؤونه ، فكان كلما ذكر ، ذنبه ، أو خطر على باله ، استغفر اللّه تعالى ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة مائة مرة » ، وأخرج البخاري في تاريخه عن أبي الدرداء ، قال : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، إذا ذكر داود ، وحدّث عنه ، قال : « كان أعبد البشر » ، وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا ينبغي لأحد أن يقول : إني أعبد من داود » . ثم عدد سبحانه نعمه عليه ، فقال : 1 -
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ
؛ أي : ذللناها مع داود ، و ( مع ) متعلق بالتسخير ، وإيثارها على اللام لكون تسخير الجبال له عليه السلام ، لم يكن بطريق تفويض التصرف فيها إليه ، كتسخير الريح وغيرها لسليمان عليه السلام ، لكون سيرها معه ، بطريق التبعية له ، والاقتداء به ، فتكون ( مع ) على حالها ، ويجوز أن تكون ( مع ) متعلقة بما بعدها ، وهو قوله :
يُسَبِّحْنَ
. وجملة التسبيح ، حال من الجبال ؛ أي : حالة كون الجبال يقدسن اللّه سبحانه مع داود ، وينزهنه عما لا يليق به من النقائص ، وفي هذا ، بيان ما أعطاه اللّه تعالى ، من البرهان والمعجزة ، وهو ( 1 ) روح البيان .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 333 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي