تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
تسبيح الجبال معه ، ولم يقل : مسبحات ، للدلالة على تجدد التسبيح حالا بعد حال ، قال في « كشف الأسرار » : كان داود يسمع ، ويفهم تسبيح الجبال على وجه تخصيصه به ، كرامة له ، ومعجزة ، انتهى . واختلفوا في كيفية التسبيح ، فقيل : بصوت يتمثل له ، وهو بعيد ، وقيل : بلسان الحال ، وهو أبعد . وقيل : بخلق اللّه في جسم الجبل ، حياة وعقلا وقدرة ونطقا ، فحينئذ يسبح اللّه معه ، كما يسبح الأحياء العقلاء ، وهذا قول أهل الظاهر . وقال مقاتل : كان داود ، إذا ذكر اللّه ، ذكرت الجبال معه . انتهى . والظاهر : أن تسبيح الجبال مع داود على حقيقته ، لكن لما كان على كيفية مخصوصة ، وسماعه على وجه مخصوص ، خارج عن العقول . . كان من معجزات داود عليه السلام وكراماته ، وقد سبق مرارا تحقيق هذا المقام بما لا مزيد عليه . وقوله :
بِالْعَشِيِّ
؛ أي : في آخر النهار
وَالْإِشْراقِ
؛ أي : في أول النهار . متعلق ب
يُسَبِّحْنَ
. ووقت الإشراق حين تشرق الشمس ؛ أي : تضيء ويصفو شعاعها ، وهو وقت الضحى ، وأما شروقها فطلوعها ، يقال : شرقت الشمس ، ولما تشرق ، فكان داود يسبح عقب صلاته ، عند طلوع الشمس ، وعند غروبها ، وقوله :
وَالطَّيْرَ
معطوف على
الْجِبالَ
. وقوله :
مَحْشُورَةً
حال من الطير ، والعامل فيه
سَخَّرْنَا
؛ أي : وسخرنا الطير معه ، حال كونها محشورة ، مجموعة إليه من كل جانب ، وناحية ، وكانت الملائكة تحشر إليه ما امتنع عليه منها ، كما في « كشف الأسرار » : عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : كان داود ، إذا سبح ، جاوبته الجبال بالتسبيح ، واجتمعت إليه الطير فسبحت ، وذلك حشرها . وقيل : كانت تجمعها الريح إليه ، وإنما لم يراع المطابقة بين الحالين ، بأن يقال : والطير يحشرن ؛ لأن الحشر جملة أدل على القدرة منه ، متدرجا كما يفهم من لفظ المضارع ، وليس مرادا ، لأنه لم يرد أنها تحشر شيئا فشيئا ، إذ حاشرها ، هو اللّه تعالى ، فحشرها جملة واحدة ، أدل على القدرة ، ذكره أبو حيان .
كُلٌّ
؛ أي : كل واحد من الجبال والطير
لَهُ
؛ أي : لأجل داود ؛ أي : لأجل تسبيحه . فهو على حذف المضاف .
أَوَّابٌ
؛ أي : رجاع إلى التسبيح ، إذا
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 334 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي