تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
فإن الرجل إنما ينتظر الشيء ، ويمد طرفه إليه مترقبا في كل آن حضوره ، إذا كان الشيء في غاية القرب منه . وجملة قوله :
ما لَها مِنْ فَواقٍ
صفة ثانية ل
صَيْحَةً
. وقرأ حمزة والكسائي :
مِنْ فَواقٍ
بضم الفاء . وقرأ الباقون : بفتحها . وهما لغتان فيه ؛ أي : ما للصيحة من توقف وتأخر مقدار فواق إذا جاءت . ففي الكلام حذف ، والفواق بالضم كغراب ، ويفتح كما في « القاموس » : ما بين حلبتي الحالب من الزمن ؛ لأن الناقة تحلب أولا . ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل ، لإدرار اللبن ، ثم تحلب ثانية . يعني : إذا جاء وقت الصيحة ، لم تستأخر هذا القدر من الزمان ، كقوله تعالى :
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً *
. فالفواق : عبارة عن الزمان اليسير . وفي الحديث : « من اعتكف قدر فواق ، فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل » . وفي الحديث : « من قاتل في سبيل اللّه ، فواق ناقة وجبت له الجنة » .
وَقالُوا
؛ أي : قال كفار مكة بطريق الاستهزاء والسخرية عند سماعهم بتأخير عقابهم إلى الآخرة . والقائل « 1 » : النضر بن الحرث بن علقمة بن كندة الخزاعي ، وأضرابه ، وكان النضر من شياطينهم ، ونزل في شأنه في القرآن بضع عشرة آية ، وهو الذي قال :
فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
رَبَّنا
وتصدير دعائهم بالنداء للإمعان في الاستهزاء ، كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة والابتهال .
عَجِّلْ لَنا
، أي : أسرع لنا
قِطَّنا
؛ أي : نصيبنا ، وحظنا من العذاب
قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ
؛ أي : قبل يوم المحاسبة ، وهو يوم القيامة على ما زعمه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والقط في الأصل : القطعة من الشيء ، والمراد هنا : النصيب والحظ ؛ لأنه قطعة من الشيء مفرزة ، فالمعنى : عجّل لنا قسطنا ، وحظنا ، ونصيبنا من العذاب الذي توعدنا به محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا تؤخره إلى يوم الحساب الذي مبدؤه الصيحة المذكورة ، ويقال لصيحة الجائزة أيضا : قط ؛ لأنها قطعة من القرطاس . فالمعنى عليه : عجّل لنا صحيفة أعمالنا لننظر فيها .
هامش
( 1 ) روح البيان .