الفواصل ، ولأن الكذب على اللّه ليس كالكذب على غيره ، ولكثرة الكذب في زعمهم ، فإنه يتعلق بكل آية من الآيات القرآنية ، بخلاف إظهار الخوارق ، فإنه قليل بالنسبة إليه . هكذا لاح لي هذا المقام .
ثم أنكروا ما جاء به صلى اللّه عليه وسلم من التوحيد ، وما نفاه من الشركاء للّه . فقالوا :
أَ جَعَلَ
محمد صلى اللّه عليه وسلم
الْآلِهَةَ
وصيّرها
إِلهاً واحِداً
وقصرها على اللّه سبحانه .
والهمزة « 1 » فيه للإنكار ، والاستبعاد . والآلهة : جمع إله ، وحقه أن لا يجمع ، إذ لا معبود في الحقيقة سواه تعالى ، لكن العرب لاعتقادهم أن هاهنا معبودات جمعوه ، فقالوا : آلهة . و
إِلهاً واحِداً
مفعول ثان لجعل ؛ لأنه بمعنى صيّر ؛ أي :
صيرهم إلها واحدا في زعمه ، وقوله : لا في فعله ؛ لأن جعل الأمور المتعددة شيئا واحدا بحسب الفعل محال ؛ أي : أصيّر محمد صلى اللّه عليه وسلم بزعمه الآلهة إلها واحدا بأن نفى الألوهية عنهم ، وقصرها على واحد ؟ أيسعنا ، ويكفينا إله واحد في حوائجنا كما يقول محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يعلموا أنهم جعلوا الإله الواحد آلهة .
إِنَّ هذا
القول الصادر من محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهو التوحيد
لَشَيْءٌ عُجابٌ
؛ أي : لأمر بليغ في العجب ، لأنه خلاف ما اتفق عليه آباؤنا إلى هذا الآن . والعجاب بمعنى العجيب ، كما سيأتي وهو الأمر الذي يتعجب منه كالعجب ، إلا أن العجيب أبلغ منه ، والعجّاب بالتشديد أبلغ من العجاب بالتخفيف .
وقرأ الجمهور « 2 » :
عُجابٌ
مخففا ، وهو صيغة مبالغة كرجل طوال وسراع في طويل وسريع . وقرأ علي ، والسلمي ، وعيسى بن عمر ، وابن مقسم عجاب مشددا ، وقالوا : رجل عجّاب ، وطعام طيّاب . وهو أبلغ من فعال المخفف .
وفي « فتح الرحمن » : قوله :
وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ
قاله هنا بالواو ، وفي ( ق ) بالفاء حيث قال :
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
( 2 ) ؛ لأن ما هناك أشد اتصالا منه هنا ؛ لأن ما هنا متصل بما قبله اتصالا معنويا فقط ، وهو أنهم عجبوا من مجيء المنذر ، وقالوا : هذا ساحر
هامش
( 1 ) روح البيان .
( 2 ) البحر المحيط .