والمعنى : لا فيها نوع من أنواع الفساد من مغص ؛ أي : وجع في البطن أو صداع أو حمى أو عربدة ؛ أي : سوء خلق . والمعربد مؤذ نديمه في سكره ، اه « قاموس » ، أي : لا لغو فيها ولا تأثيم ولا هم يسكرون . وفي « بحر العلوم » :
وبالجملة ففي خمر الدنيا أنواع من الفساد من السكر ، وذهاب العقل ، ووقوع العداوة والبغضاء والصداع والخسارة في الدين والدنيا ، حتى جعل شاربها كعابد الوثن ومن القيء والبول ، وكثيرا ما تكون سببا للقتال والضراب والزنى ، وقتل النفس ، بغير حق ، كما شوهد من أهلها ، ولا شيء من ذلك كله في خمر الجنة .
قال بعضهم : جميع البلاء والارتكابات ليس إلا لكثافتنا . فلو لا هذه الكثافة ، لما عرض لنا الأمراض ، والأوجاع ، ولم يصدر منا ما يقبح في العقول والأوضاع .
ألا ترى : أنه لا مرض في عالم الآخرة ، ولا شيء مما يتعلق بالكثافة ، ولكن معرفة اللّه تعالى لا تحصل لو لم تكن تلك الكثافة ، فهي مدار الترقي والتنزل .
ولذلك لا يكون للملائكة ترقّ وتدل ، فهم على خلقتهم وجبلتهم الأصلية .
ثم ذكر محاسن زوجاتهم ، ليكون في ذلك تتميم لبيان ما آتاهم ربهم من النعم . فقال :
وَعِنْدَهُمْ
؛ أي : عند المخلصين
قاصِراتُ الطَّرْفِ
؛ أي : حور قصرن أبصارهن على أزواجهن ، لا يمددن طرفا إلى غيرهم ، ولا يبغين بهم بدلا لحسنهم عندهنّ ولعفتهنّ .
عِينٌ
جمع عيناء بمعنى واسعة الأعين . وهو صفة بعد صفة لموصول ، ترك ذكره للعلم به ؛ أي : حور قاصرات الطرف حسان الأعين وعظامها واسعات العيون في جمال .
ثم زاد بيانا في وصف جمالهن بما شبههن به ، فقال :
كَأَنَّهُنَّ
؛ أي : تلك القاصرات
بَيْضٌ
بفتح الباء وسكون الياء ، جمع بيضة ، سمي البيض لبياضه والمراد به هنا : بيض النعام .
مَكْنُونٌ
؛ أي : مصون مستور تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار ، فيكون لونها أبيض في صفرة ؛ أي : لم تنله الأيدي ، فإن ما مسته الأيدي يكون متدنسا ويقال : هذا من أحسن ألوان النساء . وهو أن تكون المرأة بيضاء مشوبة بصفرة ، والعرب تشبه المرأة ببيض النعامة ، وتسميهن بيضات الخدور . وهذا عند العرب ، وإلا فأحسنها عند العجم والروم الأبيض المشرب