تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
تتميما للنعمة ، كما هو حال العظماء في الدنيا ، فيؤتى لهم بصنوف الخمور على سبيل السعة والكثرة ، كأنها تؤخذ من نهر جار ، فلا تقتير ولا بخل ، بل كلما طلبوا وجدوا . وفي ذلك إشارة إلى أنها رقيقة لطيفة ، وأنها ليست كخمر الدنيا تداس بالأقدام ، كما قال شاعرهم :
وشمولة من عهد عاد قد غدت * صرعى تداس بأرجل العصّار
لانت لهم حتّى انتشوا فتمكّنت * منهم فصاحت فيهم بالثّار
وقوله :
بَيْضاءَ
ممنوع من الصرف لألف التأنيث ؛ أي : يطاف عليهم بكأس بيضاء لونا أشد من لون اللبن ، والخمر البيضاء لم تر في الدنيا ، ولن ترى . وهذا من جملة : ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وبيضاء تأنيث أبيض ، صفة ثانية أيضا لكأس ، وكذا قوله :
لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
صفة ثالثة له ؛ أي : لذيذة لكل من يشرب منها . ووصفها « 1 » بلذة - الذي هو مصدر - إما للمبالغة ؛ أي : كأس لذيذة عذبة شهية طيبة ، صارت في لذتها كأنها نفس اللذة ، أو لأنها تأنيث اللذ بمعنى اللذيذ . وصفها باللذة بيانا لمخالفتها لخمور الدنيا لانقطاع اللذة من خمور الدنيا كلها رأسا بالكلية . والمعنى « 2 » : أي يطاف عليهم بكأس لونها مشرق حسن بهي ، لا كخمر الدنيا ذات المنظر البشع واللون الأسود أو الأصفر أو الذي فيه كدورة إلى نحو ذلك مما ينفّر الطبع السليم . وهي لذيذة الطعم كما هي طيبة اللون وطيبة الريح . وقد وصفوا خمر الدنيا بالصفرة ، كما قال أبو نواس :
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها * لو مسّها حجر مسّته سرّاء
وجاء وصفها بالحمرة قبل المزج والصفرة بعده ، كما قال الآخر :
وحمراء قبل المزج صفراء بعده * أتت في ثيابي نرجس وشقائق
حكت وجنة المحبوب صرفا فسلّطّوا * عليها مزاجا فاكتسبت لون عاشق
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) المراغي .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 166 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي