تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
وقرئ
لا تَناصَرُونَ
بتاء واحدة ، وبتاءين ، وبإدغام إحداهما في الأخرى . وتأخير هذا السؤال إلى ذلك الوقت ، لأنه وقت تنجّز العذاب وشدة الحاجة إلى النصرة ، وحالة انقطاع الرجاء منها بالكلية . فالتوبيخ والتقريع حينئذ أشد وقعا وتأثيرا وفي الأثر : « لا تزول قدما عبد يوم القيامة ، حتى يسأل عن خمس : عن شبابه فيم أبلاه ، وعن عمره فيم أفناه ، وعن ماله مم كسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه ما ذا عمل به » . وقد جاء في الآثار : « إن مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء الليلة » . خصوصا إذا كان مما يتعلق باللّه ويقل أهله في هذا الزمان ، وانقطعت مذاكرته عن اللسان ، لانقطاع ذوق الجنان وانسداد البصيرة . والعياذ باللّه من الخذلان والحرمان . والخلاصة : إن الأمر بهدايتهم إلى الجحيم ، إنما يكون بعد إقامة الحجج عليهم ، وقطع أعذارهم بعد حسابهم . ثم أضرب سبحانه ، عما تقدم إلى بيان الحالة التي هم عليها هنا لك ، فقال :
بَلْ هُمُ الْيَوْمَ
؛ أي : فيقول اللّه سبحانه : بل هم في هذا اليوم الرهيب
مُسْتَسْلِمُونَ
؛ أي : منقادون لأمر اللّه ، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه ، ذليلون خاضعون بالاضطرار لظهور عجزهم . إذ قد سدت أمامهم وجوه الحيل ، وعجزوا عن الوصول إلى السلام من أي طريق يلتمسونها ، فلا فائدة في المنازعة ، ولا سبيل إلى الجدل والمخاصمة . فأسلم بعضهم بعضا إلى الهلكة وخذله عن عجز ، فكل مستسلم صاحبه غير منتصر له ، كقوم متحابين انكسرت سفينتهم ، فوقعوا في البحر ، فأسلم كل واحد منهم صاحبه إلى الهلكة لعجزه عن تنجية نفسه فضلا عن غيره ، بخلاف حال المتحابين في اللّه سبحانه .
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ
؛ أي : بعض الكفار بوجهه . وهم الأتباع أو الكفرة . والإقبال ضد الإدبار
عَلى بَعْضٍ
هم الرؤساء أو القرناء حال كونهم
يَتَساءَلُونَ
ويتخاصمون ؛ أي : يسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ ، بطريق الخصومة والجدال ، كأنه قيل : كيف يتساءلون ؟ فقيل :
قالُوا
؛ أي : الأتباع للرؤساء أو الكفرة للقرناء
إِنَّكُمْ
أيها الرؤساء أو القرناء
كُنْتُمْ
في الدنيا
تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ
؛ أي : بالقوة والإجبار . ف
عَنِ
بمعنى الباء ، واليمين بمعنى القوة كقوله تعالى :
فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ
( 93 ) ؛ أي : بالقوة ،
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 156 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي