تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
فعلنا باختيارنا ، واقتضاه استعدادنا ، فلا يلومنّ كل منا إلا نفسه ، ولا يلم بعضنا بعضا ، ولا داعي إلى الجدل والخصام وشد النكير ، فلا يجنى من الشوك العنب ، ولا يعقب الضلال إلا النار عدلا من ربنا ، كما وعد بذلك على ألسنة رسله ، وكنا بذلك عالمين ، ولكنا كنا عن الخير معرضين ، وعن اتباعه مستكبرين
فَأَغْوَيْناكُمْ
؛ أي : فدعوناكم إلى الغي والضلال ، دعوة غير ملجئة ، فاستجبتم لنا باختياركم الغي على الرشد
إِنَّا كُنَّا غاوِينَ
؛ أي : ثابتين على الغواية ، فلا عتب علينا في تعرضنا لإغوائكم بتلك المرتبة من الدعوة ، لتكونوا أمثالنا في الغواية ؛ أي : إنه لم يكن منا في شأنكم إلا حبنا أن تكونوا مثلنا . وهو غير ملزم لكم ، وإنما أضركم سوء اختياركم ، وقبح استعدادكم . وهو الذي جعل مصيركم ما تشاهدون من العذاب ، الذي وعدتم به على ألسنة الرسل . وبعد أن ذكر حالهم . . أعقبه بذكر العذاب الذي سيحل بهم جميعا ، رؤساء ومرءوسين . فقال :
فَإِنَّهُمْ
؛ أي : فإن الأتباع والمتبوعين
يَوْمَئِذٍ
؛ أي : يوم إذ يتساءلون ، وهو يوم القيامة
فِي الْعَذابِ
متعلق بقوله :
مُشْتَرِكُونَ
حسبما كانوا مشتركين في الغواية ؛ أي : فإن الفريقين المتسائلين حينئذ مشتركون في العذاب لا محالة ، كما اشتركوا في الضلال والغواية وإن كان المغوون أشد عذابا ، لأنهم تحملوا أوزارهم وأوزارا مثل أوزار من أضلوهم ، كما ثبت في الحديث . وقد تقدم ذكره مرارا . ثم ذكر سبحانه ، أن هذا عدل منه على مقتضى سننه ، فقال :
إِنَّا كَذلِكَ
؛ أي : مثل ذلك الفعل البديع الذي تقتضيه الحكمة التشريعية . وهو الجمع بين الضالين والمضلين في العذاب .
نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
المتناهين في الإجرام . وهم المشركون ، كما يعرب عنه التعليل بقوله تعالى :
إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ
بطريق الدعوة والتلقين بأن يقال لهم : قولوا :
لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ
؛ أي : يتكبرون ، ويتعظمون عن القول بهذه الكلمة المشرّفة . ومحل
يَسْتَكْبِرُونَ
النصب على أنه خبر كان ، أو الرفع على أنه خبر إن ، وكان ملغاة . والمعنى : أي إن مثل ذلك الجزاء العظيم نفعل بالمشركين ، وفاقا لما