تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
امتثال الأمر وخوف العار فقط ، فتذكر نفسك بما تقدّم لهما من الإحسان إليك ، وبما أمرت به من الشفقة والحدب عليهما ، وقد مثّل حاله معهما بحال الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه لتربيته ؛ فإنه يخفض له جناحه ، فكأنه قال للولد : اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك في حال صغرك . 5 - أن تدعو اللّه أن يرحمهما برحمته الباقية ، ولو خمس مرات في اليوم والليلة ، كفاء رحمتهما لك في صغرك ، وجميل شفقتهما عليك ، وبالجملة فقد بالغ سبحانه في التوصية بهما ، من وجوه كثيرة ، وكفاهما أن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ، ونظمهما في سلك القضاء بهما معا . وبر الأم مقدّم على بر الأب « 1 » ؛ لما روى الشيخان أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : « أمك » قال : ثمّ من ؟ قال : « أمك » قال : ثم من ؟ قال : « أمك » قال : ثم من ؟ قال : « أبوك » . ولا يختص برهما بحال الحياة ، بل يكون بعد الموت أيضا ، فقد روى ابن ماجة أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال : « نعم خصال أربع : الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما » فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما . والخلاصة : أنه سبحانه بالغ في التوصية بالوالدين مبالغة تقشعرّ منها جلود أهل العقوق ، وتقف عندها شعورهم ، من حيث افتتحها بالأمر بتوحيده وعبادته ، ثمّ شفّعهما بالإحسان إليهما ، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخّص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضّجر ، ومع أحوال لا يكاد الإنسان يصبر معها ، وأن يذلّ ويخضع لهما ، ثمّ ختمها بالدعاء لهما ، والترحم عليهما ، وهذه الخمسة الأشياء جعلها سبحانه من رحمته بها مقرونة بوحدانيّته ، وعدم الشرك به .
هامش
( 1 ) المراغي .