تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
رحمة مثل رحمتهما عليّ ، وتربيتهما وإرشادهما إيّاي في حال صغري ، وفاء بوعدك للراحمين ، ويجوز أن تكون الكاف تعليلية ؛ أي لأجل تربيتهما لي . روي أنّ رجلا قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ أبوي بلغا من الكبر أنّي ألي منهما ما وليا منّي في الصغر ، فهل قضيتهما حقّهما ؟ قال : « لا فإنّهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك ، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما » . وحاصل معنى الآيتين : أي إذا « 1 » وصل الوالدان عندك أو أحدهما إلى حال الضعف والعجز ، وصارا عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أوله : وجب عليك أن تشفق عليهما وتحنو لهما ، تعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه ، ويتجلّى بأن تتبع معهما الأمور الخمسة الآتية : 1 - أن لا تتأفّف من شيء تراه من أحدهما أو منهما ممّا يتأذّى به النّاس ، ولكن أصبر على ذلك منهما ، واحتسب الأجر عليه كما صبرا عليك في صغرك . 2 - أن لا تنغّص عليهما بكلام تزجرهما به ، وفي هذا منع من إظهار الضّجر القليل ، أو الكثير . 3 - أن تقول لهما قولا حسنا ، وكلاما طيبا ، مقرونا بالاحترام والتعظيم ، ممّا يقتضيه حسن الأدب ، وترشد إليه المروءة ، كأن تقول يا أبتاه ، ويا أماه ، ولا تدعوهما بأسمائهما ، ولا ترفع صوتك أمامهما ، ولا تحدق فيهما بنظرك . 4 - أن تتواضع لهما ، وتتذلل وتطيعهما فيما أمراك مما لم يكن معصية للّه ، رحمة منك بهما وشفقة عليهما إذ هما قد احتاجا إلى من كان أفقر الخلق إليهما ، وذلك منتهى ما يكون من الضّراعة ، والمسكنة وللّه در الخفاجي إذ يقول :
يا من أتى يسأل عن فاقتي * ما حال من يسأل من سائله
ما ذلّة السّلطان إلّا إذا * أصبح محتاجا إلى عامله
وقوله :
مِنَ الرَّحْمَةِ
؛ أي : أن يكون ذلك التذلل رحمة بهما ، لا من أجل
هامش
( 1 ) المراغي .