بعضهم قالوا : الأصل في الأوامر هو صلى اللّه عليه وسلم ، وفي النواهي أمّته ، وقيل : هو على إضمار القول ، والتقدير : قل لكل مكلف : لا تجعل إلخ ، وانتصاب « 1 »
مَذْمُوماً مَخْذُولًا
إمّا على خبريّتهما ل ( تقعد ) إن قلنا : إنها من أفعال التصيير ، وإما على الحال ، إن قلنا : إنها على بابها بمعنى المكث ؛ أي : فتصير جامعا بين الأمرين الذم لك من اللّه ، ومن ملائكته ، ومن صالحي عباده ، والخذلان لك منه سبحانه ، أو تمكث حال كونك جامعا بين الأمرين .
والمعنى « 2 » : أي لا تجعل - أيها الإنسان - مع اللّه سبحانه شريكا في ألوهيته وعبادته ، ولكن أخلص له العبادة ، وأفرد له الألوهة فإنه لا ربّ غيره ، ولا معبود سواه . إنّك إن تجعل معه إلها غيره ، وتعبد معه سواه تصر ملوما على ما ضيّعت من شكر الذي أنعم عليك بنعمه ، وشكر من لم يولك نعمة مخذولا لا ينصرك ربّك بل يكلك إلى من عبدته معه ممن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا .
وحاصل ما ذكره في هذه الآيات من أنواع التكاليف خمسة وعشرون نوعا بعضها أصلي ، وبعضها فرعيّ ، وقد بدئت بالأصل في قوله :
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ . . .
الخ وختمت به أيضا في قوله : و
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً
وسيأتي تعدادها في آخرها ، إن شاء اللّه تعالى .
وبعد أن ذكر الركن الأعظم في الإيمان ، وهو التوحيد أتبعه بذكر شعائره ، وشرائعه ، وهي الأمور الآتية ، فقال :
وَقَضى رَبُّكَ
؛ أي : وأمر ربك يا محمد كلّ مكلف أمرا جزما ، وحكما قطعا ، وحتما مبرما
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
؛ أي : بأن لا تعبدوا غيره إذ العبادة نهاية التعظيم ، فلا تستحقّ إلا لمن له غاية العظمة ، ونهاية الإنعام ، والإفضال على عباده ، ولا منعم إلا هو سبحانه ، وإنّما قال « 3 » :
رَبُّكَ
خطابا للنبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يقل ربكم مع كونه مقتضى السّياق ؛ لأنه مخصوص بالتربية أصالة والأمة تبع له في هذا الشأن .
هامش
( 1 ) الشوكاني .
( 2 ) المراغي .
( 3 ) روح البيان .