فائدة : واعلم « 1 » أن اللّه سبحانه وتعالى خلق الإنسان مركّبا من الدنيا والآخرة ، ولكلّ جزء منهما ميل وإرادة إلى كله ؛ ليتغذّى منه ، ويتقوّى ، ويتكمّل به ، ففي جزئه الدنيوي وهو النفس طريق إلى دركات النيران ، وفي جزئه الأخروي وهو الروح طريق إلى درجات الجنان ، وخلق القلب من هذين الجزأين ، وله طريق إلى ما بين إصبعي الرحمن ، إصبع اللطف ، وإصبع القهر فمن يرد اللّه به أن يكون مظهر قهره أزاغ قلبه ، وحوّل وجهه إلى الدنيا ، فيريد العاجلة ، ويربّي بها نفسه إلى أن تبلّغه إلى دركات جهنم البعيدة ، ويصلى نار القطيعة ، ومن يرد اللّه به أن يكون مظهر لطفه أقام قلبه وحوّل وجهه إلى عالم العلو ، فيريد الآخرة ، ويسعى لها سعيها ، وهو الطلب بالصدق ، وهو مؤمن بأن من طلبه وجده ، فأولئك كان سعيهم في الوجود مشكورا من الموجد في الأزل .
ثم بيّن سبحانه أن عطاءه ورزقه الدنيوي لا يحظر على كل من الفريقين فقال :
كُلًّا
؛ أي : كل واحد من الفريقين مريد الدنيا ، ومريد الآخرة ، فهو منصوب بقوله :
نُمِدُّ
؛ أي : نمد ونزيد كلّا من الفريقين بالعطاء مرّة بعد أخرى ، بحيث يكون الآنف مددا للسالف لا نقطعه منه ، وقوله :
هؤُلاءِ
بدل من
كُلًّا
و
هؤُلاءِ
عطف عليه ؛ أي : نمد هؤلاء الذين يريدون الدّنيا وهؤلاء الذين يريدون الآخرة
مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ
؛ أي : من معطاه الواسع الذي لا تناهي له ، لأنّ العطاء اسم لما يعطى فهو متعلق ب
نُمِدُّ
، فاللّه تعالى يوسّع عليهما في الرزق من الأموال والأولاد ، وغيرهما من أسباب العز ، والزينة في الدنيا ، وهذا « 2 » الإمداد المذكور ليس على طريق الاستيجاب والاستحقاق بالسعي والعمل الصالح ، بل بمحض التفضّل
وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ
يا محمد ؛ أي : معطاه في الدنيا
مَحْظُوراً
؛ أي : ممنوعا من كل أحد ، مؤمنا كان أو كافرا ، لأن الكلّ مخلوقون في دار العمل ، فأزاح تعالى العذر عن الكل ، وأوصل تعالى متاع الدنيا إلى الكل على القدر الذي يقتضيه الصلاح ، فيرزق المؤمنين ، والكافرين ، وأهل الطاعة وأهل المعصية ، لا تؤثر معصية العاصي في قطع رزقه ، بل هو فائض على البرّ
هامش
( 1 ) روح البيان .
( 2 ) روح البيان .