تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
بالشيء ، والخبير بالأمور : هو العالم بخفاياها ، وبما يحتاج إلى الاختبار منها ، والاستفهام فيه إنكاري ، بمعنى النفي ، وقرأ الحسن ، وابن هرمز خبرا بضم الباء ؛ أي : وكيف « 1 » تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور ، ظواهرها منكرة ، وبواطنها مجهولة ، والرجل الصالح العالم لا يتمالك أن يصبر إذا رأى ذلك ، بل يبادر بالإنكار ،
قالَ
موسى للخضر
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ
سبحانه وتعالى
صابِراً
معك ملتزما طاعتك ،
وَ
ستجدني
لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً
؛ أي : لا أخالف أمرا لك تأمرني به غير مخالف لظاهر أمر اللّه وشرعه ، فجملة :
وَلا أَعْصِي
معطوفة على
صابِراً
فيكون التقييد بقوله :
إِنْ شاءَ اللَّهُ
شاملا للصبر ونفي المعصية ، كما أشرنا إليه في الحل ؛ أي : ستجدني صابرا وغير عاص ؛ أي : لا أخالفك في شيء ، ولا أترك أمرك فيما أمرتني به . وتعليق الوعد بالمشيئة « 2 » : إما طلبا لتوفيقه في الصبر ومعونته ، أو تيمنا به ، أو علما منه بشدة الأمر وصعوبته ، فإن الصّبر من مثله عند مشاهدة الفساد شديد جدّا ، لا يكون إلا بتأييد اللّه تعالى . وقيل : إنما استثنى ؛ لأنه لم يكن على ثقة فيما التزم من الصبر ، وهذه عادة الصالحين ، فإن قلت ما معنى قول موسى للخضر :
سَتَجِدُنِي
الآية ، ولم يصبر ، وقول إسماعيل عليه السلام :
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
فصبر ؟ قال بعض العلماء : لأن موسى جاء صحبة الخضر بصورة التعلم ، والمتعلم لا يصبر إذا رأى شيئا حتى يفهمه ، بل يعترض على أستاذه كما هو دأب المتعلمين ، وإسماعيل لم يكن كذلك ، بل كان في معرض التسليم والتفويض إلى اللّه تعالى ، وكلاهما في مقامهما واقفان ، وقيل : كان موسى في مقام الغيرة والحدة ، والذبيح في مقام الحكم والصبر ، قال بعض العارفين : قال الذبيح من الصابرين : أدخل نفسه في عداد الصابرين ، فدخل ، وموسى عليه السلام تفرد بنفسه ، وقال : صابرا ، فخرج ، والتفويض من التفرد أسلم وأوفق لتحصيل المقام ووصول المرام .
قالَ
الخضر لموسى :
فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي
؛ أي : فإن صحبتني لأخذ العلم ، وهو إذن له في
هامش
( 1 ) المراغي . ( 2 ) روح البيان .