أنواع الأدب ، حيث جعل نفسه تبعا له بقوله :
هَلْ أَتَّبِعُكَ
واستأذن في إثبات هذه التبعية ، وأقرّ على نفسه بالجهل ، وعلى أستاذه بالعلم ، في قوله :
عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ
و ( من ) في قوله :
مِمَّا عُلِّمْتَ
للتبعيض ؛ أي : لا أطلب مساواتك في العلوم ، وإنما أريد بعضا من علومك ، كالفقير يطلب من الغني جزءا من ماله ، وفي قوله :
مِمَّا عُلِّمْتَ
اعتراف بأنه أخذ من اللّه ، والرشد : الوقوف على الخير ، وإصابة الصّواب .
وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو « 1 » : من لدنا بتخفيف النون ، وهي لغة في لدن ، وهي الأصل : قيل : وقد أولع كثير ممن ينتمي إلى الصلاح ادّعاء هذا العلم ، ويسمونه العلم اللدني ، وأنه يلقى في روع الصالح منهم شيء من ذلك ، حتى يخبر بأن من كان من أصحابه ، هو من أهل الجنة ، على سبيل القطع ، وأن بعضهم يرى الخضر ، وقرأ الحسن ، والزهري ، وأبو بحرية ، وابن محيصن ، وابن مناذر ، ويعقوب ، وأبو عبيد ، واليزيدي رشدا بفتحتين ، وهي قراءة أبي عمرو من السبعة ، وقرأ باقي السبعة بضم الراء ، وإسكان الشين ، وهما لغتان : كالبخل والبخل . وفي الآية دليل على أن المتعلّم تبع للعالم ، وإن تفاوتت المراتب ، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى ، فقد يأخذ الفاضل عن المفضول ، وقد يأخذ الفاضل عن الفاضل إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر ، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها ، وكان علم الخضر علم بعض الغيب ، ومعرفة البواطن .
قالَ
الخضر لموسى :
إِنَّكَ
يا موسى
لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
؛ أي : لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي ؛ لأن الظواهر التي هي علمك لا توافق ذلك ، فإني على علم من اللّه علمنيه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم من اللّه علمكه لا أعلمه أنا ،
ثم أكد ذلك مشيرا إلى علة عدم الاستطاعة ، فقال :
وَكَيْفَ تَصْبِرُ
يا موسى ، وتسكت
عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً
؛ أي : علما و
خُبْراً
تمييز محول عن الفاعل ؛ أي : لم يحط به خبرك ؛ أي : علمك ، والخبر : العلم
هامش
( 1 ) البحر المحيط .