تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
شيئا ، ثم سمعته وهو مولّ يضرب فخذه ويقول : « وكان الإنسان أكثر شيء جدلا » والجدل : هاهنا شدة الخصومة بالباطل ، لاقتضاء خصوصية المقام ذلك ، وإلا فالجدل لا يلزم أن يكون بالباطل قال تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
. وخلاصة ذلك : أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل مجادل لما أتاه من سعة الحيلة ، وقوة المعارضة ، واختلاف النزعات ، والأهواء ، وقوة العزيمة إلى غير حد فلو اتجه إلى سبيل الخير ، وتاقت نفسه إلى سلوك طريقه ارتقى إلى حظيرة الملائكة ، ولو نزعت نفسه إلى اتباع وساوس الشيطان انحط إلى الدرك الأسفل ، ولحق بأنواع الحيوان ، يفعل ما يشاء ، غير مقيّد بوازع من الدين ، ولا زمام من العقل ، وصادق العزيمة ، ولما بيّن سبحانه وتعالى إعراضهم ذكر علة ذلك فقال :
وَما مَنَعَ النَّاسَ
؛ أي : لم يمنع أهل مكة من
أَنْ يُؤْمِنُوا
باللّه تعالى ، ويتركوا الشرك الذي هم عليه
إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى
وهو الرسول الكريم الداعي ، والقرآن العظيم الهادي
وَ
من أن
يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ
من أنواع الذّنوب
إِلَّا
انتظار
أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ
؛ أي : سنة اللّه ، وعادته في الأمم الماضية ، وهو الاستئصال لما كان تعنتهم مفضيا إليه ، جعلوا كأنهم منظرون له .
أَوْ
انتظار أن
يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ
؛ أي : عذاب الآخرة حال كونه
قُبُلًا
؛ أي : أنواعا ، جمع قبيل ، أو عيانا لهم ؛ أي : معاينا . والمعنى : أي « 1 » وما منع هؤلاء المشركين من أن يؤمنوا باللّه حين جاءتهم البينات الواضحة ، والدّلالات الظاهرة ، وعلموا صحّة ما تدعوهم إليه ، وأن يستغفروا ربهم بالتوبة عما فرّط منهم من الذنوب ، إلا تعنتهم وعنادهم الذي جعلهم يطلبون أحد أمرين : 1 - إما عذاب الاستئصال بنحو قولهم :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
. 2 - وإمّا أن تأتيهم بأنواع من العذاب ، والبلاء يتلوا بعضها بعضا حين
هامش
( 1 ) المراغي .