« الدنيا كسوق قام ثمّ انفض » .
وقرأ ابن مسعود ، وأبي وابن عباس ، وابن أبي عبلة « 1 » : تذريه بضم التاء وكسر الراء ، بعدها ياء ساكنة ، وهاء مكسورة من أذرى الرباعيّ إلا أنّ ابن مسعود فتح التاء ، وقرأ « 2 » زيد بن علي ، والحسن ، والنخعي ، والأعمش ، وطلحة ، وابن أبي ليلى ، وابن محيصن ، وخلف ، وابن عيسى ، وابن جرير الريح على الإفراد ، وقرأ الجمهور
تَذْرُوهُ الرِّياحُ
بالجمع
وَكانَ اللَّهُ
سبحانه ذو الكمال والجلال
عَلى كُلِّ شَيْءٍ
شاءه من الإنشاء والإبقاء ، والإفناء
مُقْتَدِراً
؛ أي : قادرا لا يعجزه شيء ، والمقتدر مفتعل من قدرت ؛ أي : وكان « 3 » اللّه ذو الجلال والجمال قادرا على كل شيء إنشاء وفناء وإعادة فهو يوجد الأشياء ، ثم ينميها ثم يفنيها ، وما حال الدنيا إلا هذه الحال ، فهي تظهر أوّلا ناضرة ظاهرة ، ثمّ تتزايد قليلا قليلا ، ثمّ تأخذ في الانحطاط إلى أن تصير إلى الهلاك ، والفناء ، فلا ينبغي للعاقل أن يبتهج بما يحوزه منها ، أو يفخر به ، أو يصعّر خدّه استكبارا ،
ثم بين سبحانه ما كانوا يفتخرون به من محسنات الدنيا ، إثر بيان حالها بما مرّ من المثل ، فقال :
الْمالُ وَالْبَنُونَ
اللذان يفتخر بهما الناس ، لا سيّما رؤساء العرب وأغنياؤهم ،
زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا
؛ أي : شيء يتزينون به في الحياة الدنيا ، ويفنى عنهم عن قريب ، وليسا من زاد الآخرة ، فيقبح بالعاقل أن يفتخر بهما ، والزّينة « 4 » مصدر في الأصل ، أطلق على المفعول مبالغة ، كأنهما نفس الزينة ، وقدم « 5 » المال على البنين مع كونهم أعزّ منه لدى جميع الناس من قبل أنّ الزينة به أتمّ ، ولأنه يمدّ الآباء والأبناء في كل حين ، ولأنه مناط ببقاء النفس والأولاد ، وبذا يبقى النوع الإنساني ، ولأنّ الحاجة إليه أمس من الحاجة إليهم ، ولأنه زينة بدونهم ، دون العكس ، فإنّ من له بنون ولا مال له ، فهو في بؤس وشقاء .
هامش
( 1 ) زاد المسير .
( 2 ) البحر المحيط .
( 3 ) المراغي .
( 4 ) روح البيان .
( 5 ) المراغي .