تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
وبعد أن ذكر أن القرآن هاد للّتي هي أقوم ، وأن الأعمال لازمة لأصحابها . . بيّن أن منفعة العمل ، ومضرته راجعة إلى عامله ، فقال :
مَنِ اهْتَدى
بهداية القرآن ، وعمل بما في تضاعيفه من الأحكام ، وانتهى عما نهاه
فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ
؛ أي : فإنّما تعود منفعة اهتدائه إلى نفسه لا تتخطاه إلى غيره ، ممن لم يهتد
وَمَنْ ضَلَّ
عن الطريقة التي يهديه إليها
فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
؛ أي فإنما وبال ضلاله عليها لا على من عداه ممن لم يباشره حتى يمكن مفارقة العمل من صاحبه . وقال البيضاوي « 1 » : لا ينجي اهتداؤه غيره ، ولا يردي ضلاله سواه ؛ أي : في الآخرة ، وإلا ففي حكم الدنيا يتعدى نفع الاهتداء ، وضرر الضلال إلى الغير ، كما يدل عليه قوله تعالى :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
. والمعنى : أي من « 2 » استقام على طريق الحق ، واتبعه ، واتبع الدين الذي بعث به محمد صلى اللّه عليه وسلم فنفسه قد نفع ، ومن حاد عن قصد السبيل ، وسار على غير هدى ، وكفر باللّه ، ورسوله ، وبما جاء به من عند ربه من الحق ، فلا يضر إلا نفسه ، لأنه جعلها مستحقّة لغضب اللّه ، وأليم عذابه ، ثم زاد الجملة الثانية توكيدا ، بقوله :
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ
؛ أي : ولا تحمل نفس آثمة ، ولا غير آثمة
وِزْرَ أُخْرى
؛ أي : إثم نفس أخرى ، بطيبة النفس ، حتى يمكن تخلّص النفس الثانية من إثمها ، بل على كل نفس إثمها دون إثم غيرها من الأنفس ، ولكن يحمل عليها إثم غيرها بالقصاص . فإن قلت : ورد في الحديث : « من سنّ سنّة سيئة . . فعليه وزرها ، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » ، فمقتضاه : أنه يحمل وزره فيكون معارضا لهذه الآية ؟ أجيب : بأنّ المراد بالوزر الذي يحمله في الحديث : وزر التّسبّب ، ولا شك أنّ التسبب من فعل الشخص ، ومع ذلك فلا ينقص من وزر الفاعل شيء ، فالمتسبب الفاعل يعاقب على فعله وتسببه ، والفاعل بلا تسبب يعاقب على فعله فقط ، ذكره الصاوي .
هامش
( 1 ) البيضاوي . ( 2 ) المراغي .