تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
وفي هذا قطع لأطماعهم الفارغة ؛ إذ كانوا يزعمون أنّهم إن لم يكونوا على الحقّ فالتّبعة على أسلافهم الذين قلدوهم ، روي عن ابن عباس : أنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة حين قال : اكفروا بمحمد وعليّ أوزاركم ، ولا معارضة بين هذه الآية وبين قوله :
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
وقوله :
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
؛ فإن الدعاة إلى الضلال ، عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم ، وإثم آخر بسبب إضلالهم من أضلوا من غير أن ينقص أوزار أولئك ، ولا يرفع عنهم منها شيئا ، وهذا عدل من اللّه ورحمة منه بعباده . ثم ذكر عنايته ورحمته بهم ، فقال :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ
؛ أي : وما صحّ « 1 » وما استقام منا ، بل استحال في عاداتنا المبنية على الحكم البالغة ، أن نعذب أحدا من أهل الضلال والأوزار اكتفاء بقضية العقل ،
حَتَّى نَبْعَثَ
إليهم
رَسُولًا
يهديهم إلى الحق ، ويردعهم عن الضلال ، ويقيم الحجج ويمهد الشرائع ، قطعا للمعذرة ، وإلزاما للحجّة ، وفيه دلالة على أن البعثة واجبة لا بمعنى الوجوب على اللّه ، بل بمعنى أن قضية الحكمة تقتضي ذلك لما فيه من المصالح والحكم ، والمراد بالعذاب المنفيّ هو العذاب الدنيوي ، وهو من مقدمات العذاب الأخرويّ ، فجوزوا على الكفر والمعاندة بالعذاب في الدارين وما بينهما أيضا وهو البرزخ ، وفي هذا دليل على أن ما وجب إنما وجب بالسمع لا بالعقل ا ه . خازن ؛ أي « 2 » : وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل ، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع أعذارهم . وخلاصة ذلك : أن سنتنا المبنية على الحكم البالغة ، أن لا نعذب أحدا أي نوع من العذاب الدنيوي أو الأخروي على فعل شيء أو تركه ، إلا إذا أرسلنا رسولا يهدي إلى الحق ، ويردع عن الضلال ، ويقيم الحجج ، ويمهد الشرائع ، وتبلغه دعوته . وعبارة الشوكاني هنا : ولمّا ذكر اللّه سبحانه اختصاص المهتدي بهدايته ،
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) الشوكاني .