تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
وقد جاء مثل هذا النهي في آيات كثيرة ، كقوله :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
3 وقوله :
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
وقوله :
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ
. وخلاصة ذلك : أبلغهم رسالة ربك ، فمن اهتدى فلنفسه ، ومن ضلّ فإنّما يضل عليها ، ولا تذهب نفسك عليهم أسى وحسرة ، فإنما أنت منذر ولست عليهم بمسيطر ، إن عليك إلا البلاغ ، ثم ذكر سبحانه سبب إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ بالبشارة والنذارة ، وهو أنه تعالى جعل ما على الأرض زينة لها ليختبر المحسن والمسئ ، ويجازي كلا بما يستحقّ ، فقال :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ
من حيوان ، ونبات ، ومعادن
زِينَةً لَها
، ولأهلها
لِنَبْلُوَهُمْ
؛ أي : لنعاملهم معاملة من يختبر حتى يظهر
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
في ترك الدنيا ، ومخالفة هوى نفسه ، طلبا للّه ومرضاته ؛ أي : أيهم أطوع للّه ، وأشدّ استمرارا على خدمته ، وأيهم أقبح عملا في الإعراض عن اللّه وما عنده من الباقيات الصالحات ، والإقبال على الدنيا وما فيها من الفانيات الفاسدات . قال في « الإرشاد » « 1 » : أي استفهامية مرفوعة بالابتداء ، و
أَحْسَنُ
خبرها ، و
عَمَلًا
تمييز ، والجملة في محل النصب معلقة لفعل البلوى لما فيه من معنى العلم باعتبار عاقبته ؛ أي : إنّا « 2 » جعلنا ما على الأرض زينة لها ، لنختبر حالهم في فهم مقاصد تلك الزينة ، والاستدلال بها على وجود خالقها ، والإخبات إليه ، والطاعة له فيما أمر به ، والبعد عما نهى عنه ، فتقوم الحجة عليهم ، فمن اعتبر بتلك الزينة ، وفهم حكمتها ، حاز المثوبة ، ومن اجترأ على مخالفة أمره ، ولم يفهم أسرارها ومقاصدها استحق العقوبة . وخلاصة ذلك : أنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها ، لنعاملهم معاملة من يختبرون ، فنجازي المحسنين بالثواب ، والمسيئين بالعقاب ، ويمتاز أفراد الطبقتين بعضهم عن بعض بحسب درجات أعمالهم .
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) المراغي .