بيان أنّ ذلك التنزيل لمقتض - وهو التنزيل بحسب الحوادث - للمصلحة ، لأنهم لو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا ، ولم يطيقوا ،
ثمّ هددهم سبحانه على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلم بقوله :
قُلْ
يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين لك
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
آمِنُوا بِهِ
، أي آمنوا إن شئتم بهذا القرآن الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يأتوا به ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .
أَوْ لا تُؤْمِنُوا
إن شئتم ، فإن إيمانكم به لا يزيده كمالا ، وامتناعكم عنه لا يورثه نقصا . ثم علل عدم المبالاة بهم ، واحتقار شأنهم بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
وأعطوه
مِنْ قَبْلِهِ
؛ أي : من قبل نزول القرآن ؛ أي : وإن تكفروا به أيها المشركون ، فإنّ العلماء الذين قرءوا الكتب السالفة من قبل نزول القرآن ، وعرفوا أنّ اللّه سيبعث نبيا في آخر الزمان ، وعرفوا حقيقة الوحي ، وأمارات النبوة كزيد بن عمرو بن نفيل ، وورقة بن نوفل ، وعبد اللّه بن سلام ،
إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ
هذا القرآن
يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ
؛ أي : يسقطون على وجوههم حالة كونهم ،
سُجَّداً
؛ أي :
ساجدين للّه سبحانه وتعالى شكرا له على إنجاز وعده بإرسالك ، وهذه الآية من عزائم السّجدات ، وإنما قيّد « 1 » الخرور وهو السقوط بكونه للأذقان ؛ أي : عليها لأنّ الذقن ، وهو مجتمع اللحيين ، أوّل ما يحاذي الأرض ، قال الزجاج : لأنّ الذقن مجتمع اللحيين ، وكما يبتدئ الإنسان بالخرور للسجود ، فأول ما يحاذي الأرض به من وجهه الذقن . وقيل المراد تعفير اللحية في التراب ، فإن ذلك غاية الخضوع ، وإيثار اللام في ( للأذقان ) للدلالة على الاختصاص ، فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور ، أو خصوا الخرور بالأذقان .
والخلاصة « 2 » : أنكم إن لم تؤمنوا به ، فقد آمن به أحسن إيمان من هو خير منكم ، وفيه تسلية لرسوله صلى اللّه عليه وسلم وازدراء لشأنهم .
هامش
( 1 ) الشوكاني .
( 2 ) المراغي .