صدقي وصحة قولي : إني رسول اللّه ، بعثني بها رب السماوات والأرض ، لأنه هو الذي يقدر عليها وعلى أمثالها ، وهي بصائر لمن استبصر بها ، وهدى لمن اهتدى بها ، يعرف من رآها أنّ من جاء بها فهو محق ، وأنّها من عند اللّه ، لا من عند غيره ، إذ كانت معجزة لا يقدر عليها إلا رب السماوات والأرض ، وقرأ « 1 » الجمهور
لَقَدْ عَلِمْتَ
بفتح التاء على خطاب موسى لفرعون ، وتبكيته في قوله عنه : إنه مسحور ؛ أي : لقد علمت أن ما جئت به ليس من باب السحر ، ولا أني خدعت في عقلي ، بل علمت أنه ما أنزلها إلّا اللّه سبحانه ، وما أحسن ما جاء به من إسناد إنزالها إلى لفظ رب السماوات والأرض ، إذ هو لما سأله فرعون في أول محاورته ، فقال له :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ينبهه على نقصه ، وإنه لا تصرف له في الوجود ، وقرأ علي بن أبي طالب ، وزيد بن علي ، والكسائي علمت بضم التاء ، أخبر موسى عن نفسه أنه ليس بمسحور كما وصفه فرعون ، بل هو يعلم أنّ ما أنزل هؤلاء الآيات إلا اللّه ، قال « 2 » أبو عبيد : المأخوذ به عندنا قراءة الجمهور ، أعني فتح التاء ، وهو الأصح للمعنى ؛ لأن موسى لا يقول : علمت أنا ، وهو الداعي ، وروي نحو هذا عن الزجاج .
وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً
؛ أي : مصروفا عن الخير ، مطبوعا على الشر ، من قولهم : ما ثبرك عن هذا ؛ أي : ما صرفك أو هالكا فإن الثبور الهلاك ، وقرأ « 3 » أبي وإن إخالك يا فرعون لمثبورا وهي إن المخففة ، واللام الفارقة
فَأَرادَ
فرعون من نتائج ظنه الكاذب
أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ
؛ أي : أن يخرج موسى ، وبني إسرائيل
مِنَ الْأَرْضِ
؛ أي : من أرض مصر بقتلهم واستئصالهم بحيث لا يبقي منهم أحدا فعكسنا عليه مكره
فَأَغْرَقْناهُ
؛ أي : فرعون في البحر
وَمَنْ مَعَهُ
من جنده من القبط
جَمِيعاً
فأخرجناه من أرضه أفظع إخراج ، ونجينا موسى وقومه من نتائج ظنه الصادق
وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ
؛ أي : من بعد إغراق فرعون وقومه
لِبَنِي إِسْرائِيلَ
، أي : لأولاد يعقوب ،
اسْكُنُوا الْأَرْضَ
التي أراد أن
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
( 2 ) الشوكاني .
( 3 ) الفتوحات .