تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
لقاربت « 1 » أن تميل إلى اتّباع مرادهم شيئا يسيرا من الميل اليسير ، لقوة خداعهم ، وشدة احتيالهم ، لكن أدركتك العصمة فمنعتك من أن تقرب من أدنى مراتب الركون إليهم ، فضلا عن نفس الركون ، وهذا صريح في أنه عليه السلام ما همّ بإجابتهم مع قوة الداعي إليها ، ودليل على أنّ العصمة بتوفيق اللّه وعنايته وحفظه ، وقرأ قتادة ، وابن أبي إسحاق ، وابن مصرّف تركن بضم الكاف مضارع ركن بفتحها . وخلاصة ذلك : أنك كنت على أهبة الرّكون إليهم ، لا لضعف منك ، بل لشدة مبالغتهم في التحيّل والخداع ، ولكن عنايتنا بك منعتك أن تقرب من الركون فضلا عن أن تركن إليهم ، ثم توعّده على ذلك أشد الوعيد ، فقال :
إِذاً
؛ أي : لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركنة واللّه
لَأَذَقْناكَ
يا محمّد
ضِعْفَ
عذاب
الْحَياةِ
؛ أي : الدنيا
وَضِعْفَ
عذاب
الْمَماتِ
، أي : الآخرة ؛ أي « 2 » : ضاعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة ، فهو صلى اللّه عليه وسلم ، لو ركن إليهم . . يكون عذابه ضعف عذاب غيره على مثل هذا الفعل ؛ لأن الذّنب من العظيم يكون عقابه أعظم ، ومن ثم يعاقب العلماء على زلّاتهم أشدّ من عقاب العامّة ، لأنهم يتبعونهم ، ونظير ذلك من وجه ما جاء في نسائه صلى اللّه عليه وسلم من قوله :
يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ
. وكان أصل الكلام « 3 » : عذابا ضعفا في الحياة وعذابا ضعفا في الممات بمعنى مضاعفا ، ثم حذف الموصوف ، وأقيمت مقامه الصفة ، وهو الضعف ، ثمّ أضيفت إضافة موصوفها ، فقيل : ضعف الحياة ، وضعف الممات كما لو قيل : لأذقناك أليم الحياة ، وأليم الممات . وخلاصة ذلك « 4 » : أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك ، وعقدت على الركون همك ، لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة ، ولصار
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) روح البيان . ( 3 ) المراغي . ( 4 ) الشوكاني .