تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
وهم السعداء ، وفي إيتاء الكتاب من جهة اليمين تشريف لصاحبه ،
فَأُولئِكَ
الجمع باعتبار معنى ( من ) قيل : ووجه الجمع الإشارة إلى أنهم مجتمعون على شأن جليل ، أو الإشعار بأن قراءتهم لكتبهم تكون على وجه الاجتماع ، لا على وجه الانفراد ،
يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ
الذي أوتوه قراءة ظاهرة مسرورين ، فرحين بما فيه من الحسنات ، ونحو الآية قوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ
19
وَلا يُظْلَمُونَ
، أي : لا ينقصون من أجور أعمالهم المرتسمة في كتبهم ،
فَتِيلًا
؛ أي : قدر فتيل بل يؤتونها مضاعفة ، والفتيل هو ما يفتل بين إصبعين من الوسخ ، أو القشرة التي في شقّ النواة ، أو أدنى شيء ، فإنّ الفتيل مثل في القلة والحقارة ، وقد ثبت في علم الكيمياء أنّ وزن الذّرّات التي تدخل في كل جسم بنسب معيّنة ، فلو أنّ ذرة واحدة في عنصر من العناصر الداخلة في تركيب ؛ أي : جسم من النبات ، أو الحيوان أو الجماد نقصت عن النسبة المقدّرة لتكوينه لم يتكون ذلك المخلوق ، وخالق الدنيا هو خالق الآخرة ، فالظّلم مستحيل هناك ، كما استحال هنا في نظم الطّبيعة ، فما أجلّ قدرة اللّه سبحانه ، وما أعظم حكمته في خلقه . ولم يذكر الأشقياء ، وإن كانوا يقرءون كتبهم أيضا ، لأنهم إذا قرءوا ما فيها لم يفصحوا به خوفا وحياء ، وليس لهم شيء من الحسنات ينتفعون به ، ولكنه سبحانه ذكر ما يدل على حالهم القبيح فقال :
وَمَنْ كانَ
من المدعوين المذكورين
فِي هذِهِ
الدنيا
أَعْمى
؛ أي : أعمى القلب لا يهتدي إلى رشده ،
فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى
لا يرى طريق النّجاة ، ويستولي الخوف والدهشة على قلبه ، فيثقل لسانه عن قراءة كتابه
وَأَضَلُّ سَبِيلًا
؛ أي : بل هو أخطأ عن سبيل النجاة في الآخرة من الأعمى في الدنيا ، لزوال الاستعداد ، وتعطل الأسباب والآلات ، وفقدان المهلة . قال النّيسابوري « 1 » : لا خلاف أن المراد بعمى الدنيا عمى القلب ، وأما
هامش
( 1 ) الشوكاني .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 193 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي