تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ، ومثلي عذابه في الآخرة ، وقد ذكروا في حكمة هذا أنّ الخطير إذا ارتكب جرما وخطأ خطيئة يكون سببا في ارتكاب غيره مثله والاحتجاج به ، فكأنه سنّ ذلك ، وقد جاء في الحديث : « من سن سنة سيئة فعليه وزرها ، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » أخرجه مسلم وغيره .
ثُمَّ
بعد إذاقتنا إيّاك ضعف العذاب
لا تَجِدُ لَكَ
؛ أي : لنفسك
عَلَيْنا نَصِيراً
يدفع عنك العذاب أو يرفعه عنك روي عن قتادة أنه قال : لما نزل قوله :
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
إلخ قال صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين » فينبغي للمؤمن أن يتدبرها حين تلاوتها ، ويستشعر الخشية ، ويستمسك بأهداب دينه ، ويقول كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين » قال النيسابوري « 1 » : اعلم أنّ القرب من الفتنة لا يدلّ على الوقوع فيها ، والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها ، فلا يلزم من الآية طعن في العصمة
وَإِنْ كادُوا
؛ أي : وإنّ الشّأن والحال قارب أهل مكة ،
لَيَسْتَفِزُّونَكَ
ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم ، وينزعونك بسرعة
مِنَ الْأَرْضِ
التي أنت فيها ، وهي أرض مكة ،
لِيُخْرِجُوكَ مِنْها
بما فعلوه من حصرك والتضييق عليك ، وقد وقع ذلك بعد نزول الآية ، وصار ذلك سببا لخروجه صلى اللّه عليه وسلم حتى هاجر بأمر ربه ، بعد أن هموا به . فإن قلت « 2 » : أليس أخرجوه بشهادة قوله تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ
؟ قلت : لم يتحقق الإخراج بعد نزول هذه الآية ، ثم وقع بعده حيث هاجر عليه السلام بإذن اللّه تعالى ، وكانوا قد ضايقوه قبل الهجرة ليخرج ، وقوله :
وَإِذاً
؛ أي : ولئن أخرجوك ، واللّه
لا يَلْبَثُونَ
؛ أي : لا يمكثون في الدنيا ، أو تلك الأرض
خِلافَكَ
؛ أي : بعد إخراجك
إِلَّا قَلِيلًا
؛ أي : إلّا زمانا قليلا ، وقد كان الأمر كذلك ؛ فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته عليه السلام ، لثمانية
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) الشوكاني .