وعن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إنّ أوّل ما خلق اللّه القلم ، فقال له : اكتب ؛ فقال : ما أكتب ؟ قال : اكتب المقدّر ، وما هو كائن إلى يوم القيامة » .
وكان كفار قريش يقولون : يا محمد إنّك تزعم أنه كان قبلك أنبياء منهم من سخّرت له الريح ، ومنهم من كان يحيي الموتى ، فإن سرّك أن نؤمن بك ، ونصدّقك . . فادع ربّك أن يجعل لنا الصّفا ذهبا ، فأجاب اللّه عن هذه الشّبهة بقوله :
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ
( الباء ) زائدة ، وأن المصدرية في محل النصب ب
مَنَعَنا
على كونه مفعولا ثانيا له ؛ أي : وما « 1 » صرفنا عن إرسال الآيات التي اقترحتها قريش من إحياء الموتى ، وقلب الصّفا ذهبا ، ورفع جبال مكة لتنبسط الأرض ، وتصلح للزراعة ، وإجراء الأنهار لتحصل الحدائق ونحو ذلك ، و ( أن ) في قوله :
إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
في محل رفع على المفعولية والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء ؛ أي : وما منعنا عن إرسالها شيء من الأشياء إلا تكذيب الأولين ، الذين هم أمثالهم في الطبع ، كعاد ، وثمود ، وأنها لو أرسلت لكذبوا تكذيب أولئك واستوجبوا الاستئصال على ما مضت به سنّتنا ، وقد قضينا أن لا نستأصلهم ؛ لأن فيهم من يؤمن أو يلد من يؤمن ، ثم ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة ، فقال :
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ
معطوف على معلوم من السياق كأنه « 2 » قيل : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذّب بها الأولون ، حيث آتيناهم ما اقترحوا من الآيات الباهرة ، فكذبوها ، وآتينا ثمود الناقة حالة كونها
مُبْصِرَةً
بكسر الصاد ؛ أي : مبيّنة مظهرة لنبوة صالح
فَظَلَمُوا
أنفسهم بتكذيبهم .
بِهَا
وأقبلوا أنفسهم للهلاك بعقرها ؛ أي : لم يكتفوا بمجرد الكفر بها ، بل فعلوا بها ما فعلوا من العقر ، وظلموا أنفسهم ، وعرضوها للهلاك بسبب عقرها ، ولعلّ تخصيصها بالذكر ، لأنّ آثار ديارهم الهالكة باقية في ديار العرب ، قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم ، ومعنى الآية ؛ أي « 3 » : إنّه تعالى لو
هامش
( 1 ) روح البيان .
( 2 ) روح البيان .
( 3 ) المراغي .