وصفاته ، ولانحراف مزاجهم ، وحصول المرض في قلوبهم ، كانوا يتنفّرون عند استماع ذكر الواحد الأحد ، بالوحدانية ، والحدة ، ولا يجدون حلاوة التوحد ، بل يجدون منه المرارة لسوء المزاج .
ومن هذا القبيل إكباب أهل الهوى في كل عصر على استماع الملاهي ، والأخبار والأساطير ، وقيل وقال ، معرضين عن كلام اللّه الملك العليّ الكبير ، بل وأكثرهم لا يريد إلا المحادثة الدنيويّة ، والمذاكرة العرفيّة والتعدي إلى أعراض الناس ، والاتباع إلى ما يوسوس به الوسواس الخناس ، والقدح في شأن أهل الحق الآمرين بالمعروف ، والناهين عن المنكر ، فيا مصيبة ابتلي بها المسلمون عامّة وخاصّة من تتبع اليهود والنصارى ، والمسابقة فيه ، فإنّا للّه وإنا إليه راجعون .
ولما فرغ سبحانه من حكاية شبه القوم في النّبوّات حكى شبهتهم في أمر المعاد ، فقال :
وَقالُوا
؛ أي : وقال الذين لا يؤمنون بالآخرة من مشركي مكة ، وغيرهم على سبيل الإنكار ، والاستبعاد ، وقد نسوا بداية خلقهم من تراب ، بل إنهم خلقوا من لا شيء كقوله تعالى :
خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
؛ أي :
قالوا :
أَ إِذا كُنَّا
؛ أي : أنبعث ونعاد إذا كنّا
عِظاماً
في قبورنا ، لم نتحطم ولم نتكسّر بعد مماتنا
وَ
كنّا
رُفاتاً
؛ أي : عظاما متكسّرة مدقوقة مفتتة
أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
بعد مصيرنا فيها ، وقد بلينا فتكسّرت عظامنا ، وتقطعت أوصالنا ؛ أي :
أإنا لمخلوقون
خَلْقاً جَدِيداً
كما كنا قبل الممات ، نصب على المصدر من غير لفظه ، أو على الحالية على أنّ الخلق بمعنى المخلوق .
وإذا في قوله « 1 » :
أَ إِذا
متمحضة للظرفية ، وهو الأظهر ، والعامل فيها : ما دل عليه مبعوثون لا نفسه ، لأنّ ما بعد إن ، والهمزة ، واللام لا يعمل فيما قبلها ، وهو نبعث ، أو نعاد كما قدّرنا في الحلّ ، وهو محل الاستفهام الإنكاري ؛ أي :
حياتنا بعد الموت محال منكر لما بين غضاضة الحي ويبوسة الرميم من التنافي ،
هامش
( 1 ) المراغي .